بحث عن بحث

من أصعب الكتابات على الكاتب أن يعبر عما يختلج في الصدر من المشاعر وخاصة إذا صاحبتها آلام الفراق، وحزن الفقد، وبالأخص إذا كانت نحو قريب من أقرب الأقرباء، فكيف إذا كانت هذه المشاعر نحو عالم من علماء الشريعة نذر حياته في التعليم والتربية والإفتاء والخطابة والوعظ والإرشاد والشفاعة ونفع الآخرين؟
كيف يكتب القلم عمن كان كذلك طوال حياته مع ما مرّ عليه من شغف العيش، وقلة ذات اليد، في أول حياته؟ كيف يكون الحديث في تاريخ يمتد أكثر من أربعين سنة ملازماً متعلماً متربياً مرشداً في حنان أبوة، ورعاية أستاذ، وحزم مرب؟! أنى له أن يستطيع قلمه أن يفي بمجال من مجالات التعليم والتربية فما بالك إذا كان الحديث في مجالات عديدة؟ وهل يستطيع الدمع أن يعبر عما في القلب؟ أو أن يبث الشجون؟ وهل يستطيع الذهن استجماع مواد تعليمية أكثر من أربعين سنة؟! إنه الموقف الصعب الذي أحسب أن يستعصى على كبار الأدباء، ومن هنا أختار أن يسترسل قلمي على سجيته بما أظنه مفيداً لشباب الأمة وفتياتها لأنقل لهم رموزاً مما تعلمته، وإشارات عابرة عن هذه المدرسة الشامخة والجامعة التطبيقية ليكون منارة هدى إنه الحديث عن الخال الشيخ العلامة الفقيه المربي الأستاذ الدكتور صالح بن عبدالرحمن بن عبدالله الأطرم الذي ولد في محافظة الزلفي عام 1352هـ من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كف بصره من عام 1359هـ لما أصابه مرض الجدري وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ودخل الكتاتيب وحفظ القرآن الكريم صغيراً وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وتعلم مبادئ الدين وخاصة مبادئ العقيدة في المحافظة نفسها، ثم انتقل إلى مدينة الرياض - مركز العلم - فأتقن القرآن الكريم على يد الشيخ المقرئ محمد بن سنان - رحمه الله - ثم التحق بحلق العلم فدرس على شيخه وأستاذه الكبير العلامة مفتي الديار السعودية محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - فحفظ عليه مجموعة من المتون الذي تخرج على يديه جل مشايخنا - رحمهم الله جميعاً - وكذا فضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله.
ولما افتتح معهد الرياض العلمي عام 1371هـ التحق فيه شيخنا، وواصل تعليمه حتى تخرج من كلية الشريعة عام 1378هـ، وعمل بعدها مدرساً في معهد الرياض العملي بعد أن قبل سماحة المفتي عذره في عدم التحاقه بالسلك القضائي.
واستمر كذلك حتى افتتاح المعهد العالي للقضاء فالتحق فيه وكانت الدراسة فيه ثلاث سنوات ثم الرسالة وليس البحث فكانت دراسة جادة أتذكرها جيداً عندما كنت أصحبه مع زميلي ورفيق دربي ابنه الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن صالح الأطرم عضو مجلس الشورى فإذا دخل القاعة ذهبنا إلى حديقة المعهد لنذاكر دروسنا وكنا في المرحلة المتوسطة، ونال - رحمه الله - شهادة الماجستير عام1390هـ وكانت أطروحته في (حد جريمة الحرابة).
وواصل المشوار حتى نال درجة الدكتوراه في المعهد نفسه عام 1404هـ وكانت أطروحته في دوافع الإيمان وموجباتها، وبعد نيله شهادة الماجستير التحق أستاذاً في كلية الشريعة حتى عيّن عضواً في هيئة كبار العلماء عام 1413هـ واشتغل بالإفتاء والتدريس في المسجد والبيت ومتعاوناً مع كليات البنات في الدراسات العليا والإشراف على الرسائل، واستمر كذلك حتى أصيب بمرضه الأخير في 2-2-1420هـ بعد وفاة شيخه الإمام عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - بثلاثة أيام. واستمر مع المرض يخف تارة ويشتد تارة حتى دخل المستشفى دخوله الأخير في 17-10-1428هـ، وتوفي في تمام الساعة العاشرة صباح يوم الجمعة 25-12-1428هـ، وصليّ عليه في جامع الراجحي في الرياض وصلى عليه جمع غفير لم يشهد له مثيل وتبع جنازته خلق كثير، وأمَّ المصلين سماحة المفتي العام الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ متعه الله بالصحة والعافية وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين.
وكان من أبرز شيوخه:
سماحة الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - وفضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - وفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - وسماحة الشيخ عبدالله بن حميد - رحمه الله.
سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - وكان من أبرز مشايخه الذين لا يفتر لسانه عن الثناء عليه وإجلاله فضيلة شيخنا العلامة المربي عبدالرزاق عفيفي - رحمه الله.
وكان من أبرز زملائه شيخنا معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان رفيق دربه - متعه الله بالصحة والعافية وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين - وكذلك فضيلة شيخنا الشيخ العلامة عبدالله بن جبرين وفضيلة شيخنا العلامة عبدالرحمن البراك ومعالي الأستاذ الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي وكانت بينهما مذكرات ونقاشات مفيدة، وفضيلة الشيخ سليمان العطيوي وفضيلة الشيخ محمد بن ردن البداح وغيرهم كثير - متعهم الله جميعاً بالصحة والعافية ونفع بهم أمة الإسلام - وتعلم على يديه عدد كبير من طلاب العلم وطالباته فجل من درس في المعهد العلمي في الرياض وفي كلية الشريعة وفي كلية أصول الدين بعد افتتاحها عام 1396هـ درسوا عليه وخاصة: الفقه، والعقيدة الذي تميز بتدريسه لهما وطريقته الخاصة الدقيقة.
ومن أبرز طلابه:
- معالي وزير العدل الدكتور عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل شيخ.
- معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل شيخ وفقه الله وأعانه.
- معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبدالله العجلان.
- فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالرزاق الدويش أستاذ الفقه بجامعة الإمام.
- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالله بن موسى العمار أستاذ الفقه بجامعة الإمام.
- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام.
بالإضافة إلى أبنائه وأقاربه وغيرهم كثير. وللشيخ - رحمه الله - عدد من المؤلفات منها:
حد جريمة الحرابة، والوصية، أسئلة وأجوبة في العقيدة. وحقق - رحمه الله - مناسك النووي، وكتب عن سيرة شيخه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بمساعدة تلميذه الأستاذ الدكتور عبدالله العمار، وكتاب حديث الصيام والقيام وغيرها.
= = =
وبعد هذا الاستعراض لعلّي أقف وقفات موجزة مع محطات من حياته - رحمه الله - لعلها تكون نبراساً لطلاب وطالبات العلم ومنارات هدى تستفيد منها الأجيال معالم لحياتها وهي تفتقد العالم تلو العالم.
الوقفة الأولى: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين). هكذا قال عليه الصلاة والسلام، أحسب أن شيخنا من هؤلاء الفقهاء الذين تشربوا العلم منذ طفولته في قريته إلى آخر حياته وقد كان يقرأ عليه تلميذه البار الشيخ مخلد المطيري في شرح السنة للإمام البغوي وكتاب البداية والنهاية، وقد حضرته مرات وهو في فترات من نشاطه أثناء مرضه الأخير، وقد كانت تعجبه بعض اللطائف ويطلب ترديدها. فهل نعي أهمية العلم، ونحن في عصر تفتق المعلومة وسرعة انتشارها؟ أزعم أننا بحاجة أكثر للعلم الشرعي، بل وللتأصيل الشرعي للأحداث والوقائع التي تصيب بالأمة، فبالعلم تسعد الأمة، وتنجو من الهلاك، وتصل إلى بر الأمان، كما أني أعتقد أن المسؤولية عظيمة على تلاميذ هؤلاء العلماء لنقل العلم والحرص عليه.
الوقفة الثانية: مما اتصف به شيخنا - رحمه الله - المنهجية العلمية، والدقة والحرص على فهم المعلومة، ومن معالم هذه المنهجية:
1- حرصه على القرآن الكريم وحفظه وتشجيع أبنائه وأقاربه وتلاميذه على ذلك.
2- حرصه على حفظ المتون وأخص فيها متون العقيدة والتوحيد وخاصة كتاب ثلاثة الأصول، وكتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - ومتون الفقه وخاصة كتاب زاد المستنقع للشيخ الحجاوي الذي درسه سنين عدة في المعهد العلمي.
3- حرصه على دقة الألفاظ، والتفريق بينها، وكل من درس على يده يدرك ذلك حتى إنه كان يقرأ كتاب الروض المربع في كلية الشريعة وفي كلية أصول الدين في تدريسه للطلاب، ويسألهم عن بعض العبارات والجمل، بل ذكر لي شيخنا العلامة عبدالله بن جبرين أن زملاءه كانوا يرجعون إليه في مثل هذه المسائل ويوضحها لهم.
4- حرص على التدرج وعدم استعجال طلاب العلم وتشجيعه على ذلك. وكان يذكر شيئاً من وصايا شيخه الإمام محمد بن إبراهيم - رحمه الله - على ذلك.
5- تشجيعه طلابه عندما يستخرج الطلاب الجواب الصحيح للسؤال الذي يطرحه.
الوقفة الثالثة: انطلاقه - رحمه الله - في حرصه على المسلمين بعامة والسؤال عن قضاياهم، والتألم لآلامهم، ويشتد هذا الحرص في مسألة من أعظم المسائل وهي التأكيد على جمع الكلمة، واتحاد الوجهة والانطلاقة من المرجعية العلمية، وعدم اتباع العواطف، والعواصف والهوى والحماس غير المنضبط بضوابط الشريعة، والتأكيد على الاجتماع على ولي الأمر. وتقريره أن هذه المسألة من أعظم المسائل وعاصم من أعظم العواصم من القواصم.
الوقفة الرابعة: منهجيته الدعوية المتميزة، فقد تشبع الشيخ - رحمه الله - بمنهجية أسلافه ومشايخه في التقعيد لمسائل النصح والتوجيه والدعوية وله منهج متميز يعرف به ومن معالم منهجه:
1- الحرص على توجيه العامة بما يناسبهم، والتبسط معهم في حديثه إليهم، وإجابته عن أسئلتهم من خلال واقعهم.
2- الحرص على توجيه طلابه بما يصلح لحالهم، وتشجيعهم على المواصلة في العلم، وسلوك مسلك سلفهم.
3- تركيزه على مواطن الخلل عند بعض الطلاب ومحاولة علاجه ذلك بما يراه مناسباً.
4- اهتمامه بمسألة خصوصية هذا البلد ومراعاته الفوارق البيئية.
5- رعايته - رحمه الله - في دعوته لجمع الكلمة وعدم ما يثير الخلاف والشفاعة، وقد اجتهد في ذلك غاية الاجتهاد في فتنة دخول العراق إلى الكويت عام 1411هـ.
6- انطلاقه في أحاديثه من الدليل مع استفادته من كلام أهل العلم.
7- اهتمامه بالتأصيل لمسائل العقيدة التي ينطلق منها الداعية.
8- أسلوبه المبسط المفهوم من جميع الطبقات.
9- تفريقه في خطابه بين العامة والخاصة فكان يسر في موضع الأسرار وخاصة في كتاباته للمسؤولين.
الوقفة الخامسة: من أبرز ما يتميز به شيخنا، واستفدت منه في ذلك أيما فائدة: اتسامه بالتأني والتثبت سواء فيما ينقل إليه من أخبار، أو المسائل العلمية، أو الفتاوى بل كان يحثنا على ذلك، ويرجع كثيراً من الاضطراب لما يجري في الواقع من تناقل الأخبار والعجلة في ذلك.
الوقفة السادسة: حرصه على حفظ الوقت وأذكر لذلك نموذجين:
1- استغلاله للمجالس الخاصة حتى إن وقت اجتماع العائلة الشهري يستغله في طرح الأسئلة على الصغير والكبير كل فيما يناسبه، وكانت تعجبه بعض الأجوبة الطريفة وخاصة من حفيدة وسمية صالح بن عبدالرحمن بن صالح الأطرم. وكنا نستفيد من هذه المطارحات العلمية، ومن تشجيعه.
2- توجيهه في المجالس العامة وقراءته لبعض الكتب، وكذلك حال الزيارات الفردية، بطرح سؤال عن الجديد من الكتب، أو ما جد من المسائل وغيرها.
الوقفة السابعة: أحسب شيخنا من العلماء العباد الذين لهم أورادهم وصلواتهم فهو من أهل القيام والحرص عليه، وعلى صيام النوافل، وأخص الإسرار في الصدقات والمعونات بما لا يعلمه إلا خاصة الخاصة لديه.
الوقفة الثامنة: حرصه الشديد على الاستفادة من مشايخه وخاصة بعد وفاتهم، فقد قرأت عليه بعض فتاوى سماحة الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم، وفتاوى سماحة الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز - رحمهما الله تعالى - وكيف يقف مع عباراتهم، ودائماً ما يعقب بتبجيلهما، والحديث عن مناهجهما في الفتوى.
الوقفة التاسعة: محاولة حرصه على تلمس الأعذار عندما تقع المسألة، وتشديده قبل وقوعها لتقع وفق السنة، لكن يبحث عن المخرج بعد وقوع المسألة أو يحيل إلى شيخه أو إلى غيره وخاصة في مسائل الطلاق.
الوقفة العاشرة: أحسب أن شيخنا ممن رزق خلق العالم بابتسامته المشرقة، ولطافة عبارته، وتسامحه حتى على من أخطأ عليه، وأخص عدم دخوله في أعراض الناس، والكلام فيها، وغضبه الشديد عندما يذكر أحد بسوء في مجلسه، وحضرت مجالس من ذلك. ومن أوضحها صبره وجلده أثناء مرضه ورضاه - فيما أحسب - بقضاء الله وقدره في مرحلة مرضه الأخير الذي استمر تسع سنين إلا شهراً وبضعة أيام.
رحم الله خالي الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا به في الفردوس الأعلى ووالدينا ومشايخنا وجميع المسلمين والمسلمات، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه سميع مجيب.

صحيفة الجزيرة

12887
الخميس 02 محرم 1429   العدد