بحث عن بحث

الأمير نايف والهيئة ..دلالات تاريخ وحضارة

 

صحيفة الجزيرة السبت 27 جمادى الآخرة 1430   العدد  13414

في مساء تاريخي من أمسيات هذا البلد الكريم دشن صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية مشروع الخطة الإستراتيجية لرئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تعدها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران.

كان مساءً متميزاً بحق يحمل دلالات تاريخية وحضارية ورؤية مستقبلية، واستشرافاً لغد مشرق بإذن الله، يملأ الآفاق تفاؤلاً، ملبياً لطموح القادة، حاثاً على إيجابيات يحلم بها كل مخلص من أبناء هذا الوطن وبناته في وقت تتسارع فيها المتغيرات الثقافية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، وفي خضم هذه المتغيرات تولد هذه الإستراتيجية التي يدشنها سمو الأمير نايف لتذكر بالتأصيل، والتطوير المدروس المعمق الذي يقود إلى ذلك الاستشراف المأمول.

وسأقف في هذه الكلمات على شيء من تلك الدلالات التاريخية والحضارية والاستشرافية التي حملها ذلك المساء المتميز.

 

الدلالة الأولى: الهيئة والتأصيل:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبدأ غني عن التعريف في شرعنا الإسلامي جاء واضحاً في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يدعو للإسهاب فيه، فسطر فيه مؤلفات، وكتابات أكثر من أن تحصر، ولكني أشير هنا إلى مجملات:

1- أن خيرية هذه الأمة علقها المولى سبحانه على قيامها بهذا المبدأ.

2- أن النجاة من المهالك، والوقوف على ساحل الأمان لمن قام بهذا المبدأ أفراداً وأمماً.


3- أن الفلاح والنجاح في الأمور الدنيوية والأخروية مبني على قيام الأمة بهذا المبدأ.


هذه الدلالة المرسخة لهذا المفهوم جاءت واضحة جلية في وجود مبدأ الخطة الإستراتيجية المنبثق من تأسيس القادة - وفقهم الله وسدد خطاهم- منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز - رحمه الله- إلى وقتنا هذا، كما جاءت صريحة في حديث سمو الأمير نايف الهادئ لتأصيل هذه الدلالة.

الدلالة الثانية: الهيئة والتاريخ:

كثيرون من أبناء هذا الوطن لم يدركوا أن هذا المبدأ العظيم أساس من أسس الدولة السعودية الأولى على يد المؤسس الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- والدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله -رحمه الله- وفي هذه الدولة على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الذي شهد تطوراً على يد أبنائه البررة من بعده.

هذا البعد التاريخي الذي صرح به سمو الأمير نايف في الكلمة التاريخية في ذلك المساء المتميز يوحي إيحاءً مباشراً بالعمق والأصالة للتميز والخصوصية، وذلك بالجمع بين معطيات الدولة المعاصرة، والتأصيل الذي يقود إلى درجات عليا من التميز في الدولة الحضارية.

وإذا كنا نشير إلى بعض أحوال الدول المتقدمة في بعض قيمها المدنية والتقنية، فلعل من أبرز التفوق إدراك بعدنا التاريخي الذي يؤصل لتلك القيم والأخلاق، وقبلها سلامة المعتقد، ونبل السلوك.

إن من الخير أن يدرك أبناؤنا وبناتنا في هذا الوطن الغالي هذا العمق التاريخي الذي سيكون دافعاً بإذن الله نحو الوصول إلى تميز منشود مع تلاقح هذا البعد التاريخي مع معطيات العصر ومستجداته الإيجابية، ولعل هذا جزء من الخيرية التي أشار إليها المولى جل وعلا في القيام بها المبدأ.

الدلالة الثالثة: الهيئة والمسؤولية:

وكثيرون -أيضاً- من أبناء هذا الوطن وبناته من يعتقد أن الهيئة هيئة قمع، وملاحقة، وتصنت، ومتابعة، وعقاب، وتراكم أخطاء، ويوحي بعض الناس لبعض في ترسيخ هذا المفهوم المبتور للهيئة.

لست هنا بصدد مناقشة هذا المفهوم علمياً ولا واقعياً - لاعتقادي أن كل من عمق النظر في قراءة هادئة للمبدأ نفسه، أو لنظام الهيئة، أو لما اعتمد عليه تأسيسها في النظام السياسي للحكم يدرك تماماً أن هذا المفهوم بحاجة إلى تصحيح.

ولكن الإشارة هنا - والتي جاءت على لسان سمو الأمير في كلمته التاريخية المميزة - أن مسؤولية الهيئة مسؤولية كبيرة، لذا حمل سموه النخب العلمية من العلماء وطلاب العلم، والمفكرين والمثقفين، وأصحاب القلم إلى مؤازرة هذه الهيئة والشد على يدها في الحق من خلال:

- بيان المفاهيم الصحيحة عن المبدأ والهيئة.

- والتشجيع المعنوي.

- والنصح والإرشاد.

- والنقل الصحيح عنها.

- وعدم تضخيم السلبيات.

- والتعاون معها في مهمتها.

كما حمل سموه الجهات والمؤسسات الحكومية للتعاون معها من خلال:

البحث والدراسة، وهذا ما لمسناه في المساء التاريخي المميز من كراسي البحث مع الجامعة الإسلامية.. وجامعة الملك سعود.

تقديم الاستشارات النافعة من خلال المختصين كما بدأ بذلك مع وزارة التعليم العالي، كل هذا يعظم المسؤولية التي أوصى بها سموه -وفقه الله- ونطقت بها كلمة معالي رئيسها أعانه الله، وتبقى شرائح المجتمع المختلفة لتقوم بمسؤوليتها تجاه هذا المبدأ الكبير بالكلمة الطيبة، والدعاء الصادق، والتعاون على البر والتقوى.

الدلالة الرابعة: الهيئة والشراكة:

من المفرح جداً، ومن علامات النجاح والتميز، أن تسعى المؤسسة -أي مؤسسة- للتحالف مع الآخرين في أداء مهمتها، وبخاصة إذا كانت مباشرة لأحوال الناس وتسعى للمحافظة على دينهم ووطنهم وأخلاقهم.

هذا التحالف مع مؤسسات وأفراد لتصل إلى الأهداف المخطط لها.

هذه علامة تميز أشاد بها سمو الأمير نايف -سدده الله- في حديثه في تدشين الإستراتيجية للهيئة، وهي مثل يحتذى لمن أراد النجاح والإبداع وهي بشارة خير للمجتمع بأسره، وتحية للجامعات التي هي محضن العلم والخبرة أن تدلي بدلوها المملوء بالحكمة والرأي السديد للهيئة ولغيرها، وأن هذه الشراكات كفيلة بحق للتفاؤل بمستقبل مشرق.


الدلالة الخامسة: الهيئة والتطوير:

من حكمة الله جل وعلا أن جعل الكون متحركاً غير ساكن، وأودع فيه ما تقوم به حياة الخلق، وهذه الحركة عامل من عوامل ما منحه الله جل وعلا للإنسان بأن يكتشف فيه من خزائنه ما يستفيد منه في معاشه، وما يعمر به هذا الكون.

وإذا كان مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والتوجيه عاملاً لعمارة الكون فإن مما يقتضيه ذلك أن يستفيد أهله من كل ما يجد ويتغير ليستثمر ما فيه من الإيجابيات، ويقلل من السلبيات، ولعل هذا من أبرز عوامل إيجاد خطة إستراتيجية - التي دشنها في ذلك المساء سمو الأمير نايف - ليعلن بحق وبتميز عدة أمور أساسية لهذا التطوير ومنها:

1- استحضار الأهداف الأساسية لهذه البلاد المباركة والمتمثلة برعاية المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، والتي مثلها النظام الأساسي للحكم.

2- استحضار أهداف الهيئة التي تجتمع في المحافظة على الضرورات الخمس: (الدين، النفس، العرض، المال، والعقل).

3- الانطلاق من المحافظة على الثوابت والأصول والسعة الشمولية فيما يتسع فيه النظر شرعاً وعقلاً وواقعاً.

هذا التطوير الذي يسعى للرقي في مستوى الأداء الإداري والميداني، فكراً وأسلوباً يستدعي الجدية فيه كما يستدعي أيضاً لمواكبة الإنجاز، وهذا هو المؤمل بالفريق المتحمس من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ممثلة بمعالي مديرها وإخوته العاملين معه، وهو المؤمل من العاملين جميعاً في الهيئة ممثلة بمعالي رئيسها وإخوته العاملين معه في الإدارة والميدان.

هذا التطوير من شأنه تحفيز الجميع - مؤسسات وأفراداً - للوعي بالمسؤولية، والتعاون مع الهيئة، فالمعتقد والقيم والأخلاق تهم الفرد والأسرة والمجتمع والوطن والدولة.

إنه بحق مساء تاريخي يضفي تفاؤلاً بحاضر ومستقبل مشرق -بإذن الله- يجعلنا نلهج بالدعاء بالتوفيق والتسديد لولاة الأمر -سددهم الله ووفقهم- وبالشكر العميق لصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي أضفى على ذلك المساء تاريخيته وحضاريته، وتحية للرئاسة في انطلاقة جديدة بثوب قشيب أصيل من تاريخ مديد وسجل حافل بالمعطيات والإنجاز، سدد الله الخطى وبارك في الجهود.

         

         د. فالح بن محمد بن فالح الصغير