بحث عن بحث

كرسي صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجامعة الإسلامية بالمدينة

 

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لقد تكفّل الله تعالى بحفظ هذا الدين وحفظ عباداته وشعائره وتعاليمه، وحفظ تطبيق حدوده وأحكامه، فقال جلّ ثناؤه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر، الآية 9].

ويهيئ الله جلّ وعلا في كل زمان بعضًا من عباده ليكونوا أسبابًا لهذا الحفظ وهذه الحماية للدين وشعائره، والشواهد في التاريخ الإسلامي كثيرة، فقد قام خلفاء المسلمين وأمراؤهم بنشر هذا الدين وحفظه عبر اهتمامهم بالعلم الشرعي ورعايتهم لأهل العلم وعنايتهم بالمساجد التي كانت بمثابة كليات وجامعات لتخريج العلماء والمفكرين، حتى أنجب لنا هذا التاريخ أئمة أفذاذًا أمثال البخاري ومسلم أحمد والشافعي ومحمد بن عبدالوهاب وعبدالعزيز بن باز رحمهم الله جميعًا، حيث أصبحوا للأمة مراجع علمية موثقة لمختلف العلوم والفنون.

وإن مسيرة ولاة الأمر في هذه البلاد هي امتداد لتلك الصورة المشرقة لأولياء أمور المسلمين في الماضي، وأخصّ بالذكر في هذا المقام اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز – حفظه الله - بالعلم الشرعي، ورعايته لأحكام الشريعة الإسلامية، وحرصه على تطبيقها، وهو صاحب البصمات الواضحة في هذا الميدان، ولعلّ الدليل الناصع والشاهد الجلي لهذا الاهتمام هو دعمه الكبير لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي  تقوم بواجب الحسبة في هذه البلاد، وتقضي على كثير من المفاسد الحسية والمعنوية فيها، من خلال جهودها الحثيثة وحركتها الدائبة في كل مكان، في وقت تشتد فيه الحملات الإعلامية على هذه الهيئة ورجالاتها، عبر أقلام مشبوهة وأشخاص بعيدين عن قضايا الأمة ومشكلاتها.

فكان من الطبيعي ومن باب الوفاء للعناية التي يوليها الأمير – حفظه الله -  لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تقوم رئاسة الهيئة بشكر صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وفاءً لجمائله وفضائله المعروفة من خلال توقيع عقد تأسيس كرسي باسم سمّوه لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

*     *     *

ولا يخفى على أحد مكانة الحسبة وأهميتها في الدّين والدنيا، والتي خصّها الله تعالى للأمة الإسلامية من بين سائر الأمم، وتتجلى هذه المكانة في الآثار الإيجابية لهذه الشعيرة المباركة على النفس والمجتمع، ومن أهمها:

1 – أنها استجابة لأمر الله تعالى، فهو عبادة كسائر العبادات والشعائر الإسلامية، من عمل بها فقد أبرأ ذمته أمام الله تعالى، ومن تركها فقد عصى الله تعالى وتحمّل وزر ذلك، يقول جل وعلا: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة آل عمرا، الآية 104]. ويقول جلّ ثناؤه: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)  [سورة الأعراف، الآية 164]. ويقول عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

2 – في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلاح ونجاة في الدنيا، وهو من أسباب استجابة الدعاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم". رواه الترمذي وحسنّه.

3 – إن القيام بواجب الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات الإيمان، لقوله تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [سورة التوبة، الآية 71].

كما أن إنكار هذه الشعيرة والعمل بخلافها هي من علامات النفاق، لقوله تعالى:  (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[سورة التوبة، الآية 67].

ويقول عليه الصلاة والسلام: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه" [رواه مسلم].

4 – إن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضماناً لأمن البلاد وسلامة العباد من جميع الآفات والجرائم الحسية والمعنوية، والواقع يشهد على هذه الحقيقة، حيث تقوم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأعمال جليلة في هذا الإطار، من أجل منع ظهور الفساد والمعاصي على الملأ، الذي يمتد آثاره السلبية ونتائجه الفاسدة على المجتمع بأسره، فكان دور الهيئة الحدّ من هذه المعاصي والمنكرات. فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها ، كمثل قومٍ استهموا على سفينة ٍ فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، و إن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".  

*     *     *

وبناء على ما سبق، فإن تخصيص كرسي صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجامعة الإسلامية يأتي في هذا الوقت لتحقيق مجموعة من الأهداف:

1 - إثراء البحث العلمي في مجال الحسبة، لا سيما وأن هذه الشعيرة لم تأخذ حقها في البحوث والدراسات كسائر العبادات والشعائر، مع العلم أنها ميدان واسع للبحث في أغواره من أجل إيجاد ضوابط وقواعد للسير عليها في الجوانب العلمية والعملية، من أجل سدّ الثغرات التي يتسلل منها المناهضون لهذه الشعيرة وهيئاتها.

2 – تشجيع الكفاءات العلمية من أستاذة الجامعات وطلبة العلم في التخصصات الشرعية المختلفة من أجل إعداد بحوث ودراسات معمّقة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3 – مدّ جسور التواصل في العلوم الشرعية بين هيئة الأمر بالمعروف والجامعات، من أجل سلامة عمل الهيئة وتطويرها على الأسس الشرعية من الكتاب والسنة.

4 – إعداد أجيال من الباحثين وطلاب الدراسات العليا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5 – الاطلاع على أكبر قدر من الظواهر السلبية، الفكرية والسلوكية داخل المجتمع، وإيجاد الآليات المناسبة لمعالجتها أو الحدّ منها.

6 – إيجاد مرجعية بحثية وتقديم استشارات علمية في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للجهات والمؤسسات التي تطلبها من داخل المملكة أو خارجها.

وغيرها من الأهداف والطموحات التي ستتحقق تباعًا إن شاء الله تعالى.

*     *     *

 

وأخيرًا، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأركان المهمة التي قامت عليها المملكة العربية السعودية منذ نشأتها إلى وقتنا الحالي، ولا يمكن الاستغناء عن هذه الشعيرة مهما تربّص بها المغرضون أو طعن فيها الحاقدون، لأنها مطلب شرعي من جهة، وسياج أمني وأخلاقي من جهة أخرى.

كما أن اهتمام ولاة الأمر بهذه الشعيرة ورعايتهم لها وللقائمين عليها هو من أسباب تماسك المجتمع وقوته ومنعته في وجه التحديات الكثيرة التي تحدق بالمجتمعات المسلمة عامة وبمجتمعنا خاصة.

فأسأل الله العظيم أن يبارك في هذا الإنجاز العلمي الكبير، وأن يجعله ذخرًا علميًا ومرجعًا شرعيًا لأهل العلم وطلبته في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.