بحث عن بحث

العلم من مقومات الدعوة

إن الدعوة إلى الله شأنها عظيم، وفضلها عميم، فيحسن بكل مسلم أن يكون له أوفر الحظ والنصيب فيها، ولكن هذه الدعوة لا تثمر ثمارها إلا إذا قامت على مقومات أساسية، يستعين بها الداعي في دعوته؛ فيكون حليفه التوفيق والنجاح، ومنها :

1-    العلم: إنه لا يخفى على كل عاقل أن العلم ضروري لكل فرد من أفراد المجتمع، فالعلم غاية كبرى وهدف أسمى يسعى إليه الموفقون المجدون في هذه الحياة، والعلم حياة القلوب، وشفاء الصدور، ونور البصائر، ودليل الحائرين، وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحوال، وهو الهادي إلى الهدى والرشد، والمنقذ من الضلال والهلاك، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب. كيف لا؟ وهو ميراث النبوة، والذي ورّثه محمد ﷺ، فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، والعلماء ورثة الأنبياء. ومن هنا كان للعلم مكانة لا يوازيها شيء. وهذا العلم: هو العلم الشرعي: العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، العلم بتوحيده ومعرفة أحكام حلاله وحرامه. فلا بد للداعية أن ينهل من معين العلم.

وتتضح أهميته في الشريعة بأن أول سورة نزلت على النبي غ تدل على العلم حيث قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [سورة العلق: 1-5]

ففي هذه الآيات الكريمة بيان أن أول أمرٍ أمرَ الله نبيه بعد تشريفه بالوحي والنبوة هو القراءة والعلم والعمل.

وكما نبه في موضع آخر أن العالم والجاهل لا يستويان، فقال تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر: 9]

وبين أن العالم أرفع درجة عند الله من الجاهل، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: 11]

وبناءً على هذا لا بد للداعية من التسلح بسلاح العلم، لأنه لا تسير الدعوات الإصلاحية سيرًا سليمًا إلا بالعلم، ولا تستقيم الأمة على المنهاج الصحيح إلا بالعلم، وبدونه تقع في الأخطاء الفاحشة، ونتيجة التخلي عن العلم: الجهل والتخبط والضياع عقدياً وفكرياً، فالدعوات التي لا تقوم على العلم الشرعي مصيرها الضياع والفشل والانحراف(1). وكم من الدعوات المعاصرة لم تصل إلى النجاح المطلوب لفقدان قادتها إلى العلم الشرعي الذي تقوم عليه الدعوة، فبنت أهدافها ووسائلها على الاجتهادات الفردية، أو ما يرونه من مصالح، فوقعوا في تخبطات عقدية، وفكرية، وشرعية، على مستوى أفرادها، وعلى مستوى الجماعة كلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) وقد ذكرنا ه في الوقفة الخامسة بشيء من التفصيل.