بحث عن بحث

 سمات الداعية

8-    الصبر: إن الداعية قد يواجه في دعوته عدم القبول، وقد يتلقى مقابل دعوته السخرية والاستهزاء، ويعترض عقبات وعراقيل، فالجنة محفوفة بالعقبات والأشواك، وفي الحديث عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله غ: حُفَّت الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّت النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ(1). وفي رواية: حُجِبَت النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَت الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ(2). والداعية الناجح هو الذي يصبر على مثل هذه المواقف، ويتحمل الأذى ولا يغضب، لأنه من آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم، وجهالهم، وأهل البدع والفجور، وغيرهم، فليصبر الداعية ويصابر، وليكن قويًا في إيمان لا تزعزعه الرجال، ولا تقلقله الجبال، ولا تحله المحن والشدائد والمخاوف.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل: 10]، وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿٩٧﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴿٩٨﴾ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [ سورة الحجر: 94-99]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة: 24]

*          *          *

ويدخل فيه المواصلة والاستمرار في الدعوة مع عدم المبالاة بالاستهزاء، والسخرية، والاتهام، وعدم الاستعجال للنتائج والثمار. فأنت تبني وتزرع وغيرك يقطف كما قطفت ثمار من زرع قبلك، وقد لا ترى ثمار عملك، فليبذل الداعية بما أوتي من جهد في سبيل دعوته، يقول الشاعر :

على المرء أن يسعى إلى الخير جهده          وليس عليه أن تتـم المـقاصـد

وخير من قول الشاعر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي الأمم فجعل يمرّ النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد«(3)

 

9-الهمة العالية: من سمات الداعية أن همته تكون عالية، يختار من كل شيء أعلاه، فيكون في المرتبة العالية في الأوصاف الحسنة، والأعمال الصالحة، فالدين مراتب؛ والله قسم الناس في كتابه على ثلاث مراتب؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [ سورة فاطر: 32] ، وأخبر تعالى عن قسمتهم في الآخرة: ﴿ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿٨﴾ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿٩﴾ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿١٠﴾ أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: 7-11]، فليبذل الداعية جهده في أن يكون من السابقين أصحاب الهمم العالية، الذين لا تسقطهم العثرات، وليقتد بالصحابي الجليل ربيعة بن كعب الأسلمي وقد قال له رسول الله ﷺ: «سلني». فقال: «أسألك مرافقتك في الجنة». فعن رَبِيعَة بْن كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ(4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: صفة الجنة، برقم: (2822).          

(2) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: حجبت النار بالشهوات، برقم: (6487).

(3) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب من لم يرق، برقم: (5752).       

(4) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه، برقم: (489).