بحث عن بحث

المسجد وأحكامه

 

للمسجد مكانة عظيمة في الإسلام، فهو متعدد الأغراض متشعب المهام، وهو جزء من حياة المسلمين، لا تستقيم حياتهم على منهاج الله تعالى إلا بوجوده، ولذا نتطرق لبعض أحكامه وبخاصة ما استنبطه الحديث من خلال المطالب الآتية:

 

المطلب الأول: معنى المسجد لغةً:

المسجد في الأصل اللغوي موضع السجود، وكل موضعٍ يتعبد فيه فهو مسجد، ومنه قول النبي ﷺ:«وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللّٰـهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً«(1)

وشرعاً: المسجد بقعة من الأرض ليست ملكًا لأحد، وتؤدى فيه مهمات عبادية، ودعوية، وتربوية وغيرها.

 

المطلب الثاني: مكانة المسجد:

للمسجد مكانة عظمى، وأهمية بالغة في الإسلام، إذ هو محل أداء كثير من شعائرهم التعبدية من الصلاة، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وذكر الله عز وجل، وهو منطلق الهداية والتوجيه، وميدان العلم والتعليم، ومنبت التربية والتثقيف، وينبوع العلم والمعرفة، وهو النور المشع في قلوب المؤمنين، وهو ميدان  تخريج العلماء والأبطال والقادة والمفكرين، وهو ساحة التقاء المسلم بأخيه المسلم، على منهج الله تعالى وعلى عبادة الله عز وجل. ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة فأول مشروع قام به هو بناء المسجد النبوي؛ لأن المسجد بوتقة لا بد منها، وهو المكان الوحيد الذي يطبع الإنسان بطابع العبودية لله عز وجل، ولذلك فضّل الله المساجد، ورغب في عمارتها، وجعل الأجر الجزيل على بنائها، فقد جاء في الحديث: عن عُبَيْد اللّٰـهِ الْخَوْلَانِيِّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى ــ قَالَ: بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ ــ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللّٰـهِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْـجَنَّةِ«(2)

 

وأن المساجد أحب بقاع الأرض إلى الله؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللّٰـهِ تعالى مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللّٰـهِ أَسْوَاقُهَا(3)

وتعلق القلب بالمساجد دليل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: إِذَا رَأَيْتُم الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ المَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ الْآيَةَ(4). بل هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللّٰـهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ(5)

ولهم النور التام يوم القيامة، فعن بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَشِّر المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(6)

وأن عمارها هم صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة البقرة: 127-128].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة: 18].

وقال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّـهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [سورة النور: 36-37].

ومما يدل على أهميتها أن النبي ﷺ أمر بتنزيهها من الروائح الكريهة، فعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ــ يَعْنِي الثُّومَ ــ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا(7)

كما أمر بتطييبها وتنظيفها، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ(8)

 

ولفضلها رغّب النبي ﷺ في التعليم فيها، وجعلها أفضل دار للعلم والتعليم، فقد روى مسلم في صحيحه مرفوعًا: «....وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْـجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللّٰـهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللّٰـهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُم المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُم اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ«(9)

 فقد كان المسجد ميدانًا للعلم والتعليم في عهد النبي ﷺ ومن بعده من السلف الصالحين، ومنه  تخرج الأفذاذ والعلماء، ومنه انطلق المعلمون، وإليه يأوي المتعلمون، فهو مقر التربية والتوجيه والتعليم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب: وقول الله تعالى: ﴿ ﯨ ﯩ   ﴾، برقم: (335)، ص: 58، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: المساجد ومواضع الصلاة، برقم: (521)، ص: 212.

(2) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: من بنى مسجدًا، برقم: (450)، ص: 78, وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم: (533)، ص: 216.

(3) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد، برقم: (671)، ص: 271.

(4) جامع الترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة، برقم: (2617)، ص: 595. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب: لزوم المساجد وانتظار الصلاة، برقم: (802)، ص: 114. والآية من سورة التوبة، رقمها: 18.

(5) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، برقم: (660)، ص: 107، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل، ولا تمتنع من القليل لحقارته، برقم: (1031) ص: 415-416.

(6) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلام، برقم: (561)، ص: 93، وجامع الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، برقم: (223)، ص: 62.

(7) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، برقم: (853)، ص: 138.

(8) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: ا تخاذ المساجد في الدور، برقم: (455)، ص: 77، وجامع الترمذي، كتاب الجمعة، باب: ما ذكر في تطييب المساجد، برقم: (594)، ص:154.

(9) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، برقم: (2699)، ص: 1173.