بحث عن بحث

المسجد وأحكامه

 

المطلب الثالث: من وظائف المسجد:

•       إقامة الصلوات المفروضة: من أهم وظائف المسجد أداء الصلاة فيه جماعةً للرجال، وقد ورد تأكيد شديد على محافظة الجماعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاء(1).

 

وإن صلاة الجماعة تفضل على غيرها بسبع وعشرين درجةً؛ فعَنْ عَبْدِ اللّٰـهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(2). وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً«(3).

قال النووي: وَالْجَمْع بَيْنهَا مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه: أَحَدهَا: أَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَيْنهَا فَذِكْر الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكَثِير، وَمَفْهُوم الْعَدَد بَاطِل عِنْد جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُون أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ الله تَعَالَى بِزِيَادَةِ الْفَضْل فَأَخْبَرَ بِهَا. الثَّالِث: أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَحْوَال الـمُصَلِّينَ وَالصَّلَاة، فَيَكُون لِبَعْضِهِمْ خَمْس وَعِشْرُونَ وَلِبَعْضِهِمْ سَبْع وَعِشْرُونَ، بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّلَاة وَمُحَافَظَته عَلَى هَيْئَاتِهَا وَخُشُوعهَا، وَكَثْرَة جَمَاعَتهَا وَفَضْلهمْ، وَشَرَف الْبُقْعَة وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذِهِ هِيَ الْأَجْوِبَة المُعْتَمَدَة.

وغيرها من الأدلة كثيرة، بل لا تحتاج هذه المسألة إلى استفاضة في الأدلة، فنكتفي بما ذكر.

 

      الاعتكاف فيه:

والمراد بالاعتكاف: المكث في المسجد لعبادة الله تعالى.

من نعم الله علينا أن شرع لنا الاعتكاف في المسجد لعبادته وطاعته بمختلف أبواب الطاعة الكثيرة. وقد كان الرسول ﷺ يعتكف في شهر رمضان، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تعالى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ«(4)

ولهذه العبادة أثر طيب على الفرد في تعامله مع مولاه جل وعلا، فيصحِّح مساره، ويعدِّل أخطاءه، ويصفي فؤاده، وتمحى ذنوبه، وترفع درجاته، كما يعود نفعها على المجتمع أيضاً، فإذا كان نخبة من هذا المجتمع تعاملوا مع ربهم هذا التعامل الفريد، فهذه علامة صحة لهذا المجتمع الذي يربى رجاله هذه التربية الإيمانية القوية.

 

      خطبة الجمعة:

من فضل الله تعالى أن شرع للمسلمين صلاة الجمعة التي تقام مرةً في الأسبوع في يوم الجمعة، ولها فضائل جمة، منها أن صلاة الجمعة كفارة للذنوب والخطيئات، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الـْجُمُعَةِ إِلَى الْـجُمُعَةِ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْـحَصَى فَقَدْ لَغَا«(5)

كما ورد وعيد أيضاً على تاركها، فعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ«(6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة، برقم: (644)، ص: 106.

(2) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، برقم: (645)، ص: 106، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم: (650)، ص: 262.

(3) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، برقم: (646)، ص: 106، وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم: (649)، ص: 262.

(4) صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، برقم: (2026)، ص: 325، وصحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، برقم: (1172)، ص: 483.

(5) صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة، برقم: (857)، ص: 345.

(6) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: التشديد في ترك الجمعة، برقم: (1052)، ص: 160، وسنن النسائي، كتاب الجمعة، باب: التشديد في التخلف عن الجمعة، برقم: (1370)، ص: 194.