بحث عن بحث

المسجد وأحكامه

 

المطلب الرابع: فـي الأعمال المشروعة فـي المسجد، ومنها:

أ‌-      الأكل والشرب: من الأشياء المباحة الأكل والشرب في المسجد، يقول النووي: «ولا بأس بالأكل والشرب في المسجد ووضع المائدة فيه» (1). ولكن ينبغي أن يتجنب الأكل من الأشياء التي لها رائحة كريهة التي يصطبغ بها المسجد فيكرهه الداخلون إليه، والمتعبدون فيه، لحديث: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ــ يَعْنِي الثُّومَ ــ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا(2)

 

ب‌-    النوم والاستلقاء والمبيت:

مما يباح فعله في المسجد النوم سواء أكان مبيتًا أي: نوماً طويلاً، أو استلقاءً، كما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد رسول الله ﷺ؛ فعن نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللّٰـهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ(3). وعند الترمذي: عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَنَامُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ وَنَحْنُ شَبَابٌ(4). ولكن هذا الجواز لا يعني أن المسجد مقر دائم للنوم، فقد كرهه بعض أهل العلم(5)

 

جـ- الوضوء في المسجد:

استنبط بعض أهل العلم جواز الوضوء في المسجد مما رواه أحمد وغيره عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَفِظْتُ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ تَوَضَّأَ فِي المَسْجِدِ(6)

وهذا الجواز ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى، أما المالكية والأحناف فقد كرهوا ذلك إلا أن يكون في موضع لا يصلى فيه(7)

ولكن ينبغي ألا تتخذ هذه الإباحة وسيلة إلى توسيخ المسجد وتلويثه، وبخاصة بعد ما خصصت أماكن للوضوء في أكثر المساجد في جميع البلدان الإسلامية.

 

د‌-     دخول المشرك وربط الأسير في المسجد: فقد أباح أهل العلم جواز دخول الكافر والمشرك في المسجد استنادًا إلى ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَعَثَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسجِدِ(8)

وهذا الأمر يشمل جميع المساجد إلا المسجد الحرام، فلا يجوز إدخال المشرك فيه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 28].

 

ذ‌-     إدخال السلاح إلى المسجد واللعب فيه:

إن المساجد مكان عبادة وعلم وتربية وذكر، وهي بيوت الله تعالى، لا يجوز فيها اللهو والعبث، لكن إذا قصد به ــ أي اللعب ــ غاية سامية، وكان بقدر محدود، ولم يكن ديدناً فقد أجازه أهل العلم مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي؛ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ وَرَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ(9)

قال النووي في شرحه: فِيهِ جَوَاز اللَّعِب بِالسِّلَاحِ وَنَحْوه مِنْ آلَات الْحَرْب فِي المَسْجِد، وَيَلْتَحِق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِن الْأَسْبَاب المُعِينَة عَلَى الْجِهَاد وَأَنْوَاع الْبِرّ(10)

 

ر‌-     الكلام المباح وإنشاد الشعر:

إن الكلام ــ ومنه الشعر ــ فيه المحمود، وفيه المباح، وفيه المكروه، وفيه المحرم. فإن كان الكلام مكروهاً أو محرمًا ففي المسجد أشد كراهة وتحريمها، وإن كان محمودًا فهذا من وظائف المسجد، وإن كان مباحًا أو شعراً مباحًا، فقد اختلف فيه أهل العلم فكرهه الحنفية والحنابلة بناءً على أن المساجد محترمة، وأنها بنيت للعبادة والذكر وقراءة القرآن، كما أشار إليه النبي ﷺ في الحديث الذي نحن بصدد شرحه: «إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللّٰـهِ عَزَّوَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ«(11)

 

وذهب الشافعية والمالكية والظاهرية إلى عدم الكراهة إلا إذا كان الكلام مكروهًا، بناءً على وقائع جرت نشد فيها الشعر في المسجد، فقد بوّب البخاري في صحيحه، باب: «الشعر في المسجد»، ثم أورد حديث حسان بن ثابت: فعن أَبي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ ابْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ، اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ(12)

وفي رواية أنه كان ينشد في المسجد فمر عليه عمر رضي الله عنه، (وأحدّ النظر إليه، فكأنه أراد أن يمنعه من الإنشاد في المسجد) فردّ حسان على عمر بأنه كان ينشد الشعر في المسجد في عهد النبي ﷺ، ثم استشهد أبا هريرة على قوله، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: مَرَّ عُمَرُ فِي المَسْجِدِ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ فَقَالَ: كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللّٰـهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ يَقُولُ: أَجِبْ عَنِّي. اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ(13)

ولكن ليعلم إن من مقتضى الورع عدم الكلام في أمور الدنيا في المسجد، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يتورعون عن ذلك تورعًا شديدًا، ومن طالع أحوالهم وسيرهم وجد ذلك بينًا واضحًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجموع للنووي، 2/17.

(2) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، برقم: (853)، ص: 138.

(3) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد، برقم: (444)، ص: 76، واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: م فضائل عبد الله بن عمر، برقم: (2479)، ص: 1091.

(4) جامع الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في النوم في المسجد، برقم: (321)، ص: 88 . وقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

(5) ينظر المرجع السابق.

(6) رواه الإمام أحمد في مسنده، برقم:(23089), 38/179-180، وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابيّه.

(7) ينظر: المغني، 3/206, والمجموع، 2/174.

(8) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: دخول المشرك المسجد، برقم: (469)، ص: 81، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب: ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه، برقم: (1764)، ص: 782-783.

(9) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: أصحاب الحراب في المسجد، برقم: (454)، ص: 78، وصحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، برقم: (892)، ص: 357.

(10) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الثاني، 6/184.

(11) ينظر   تخريجه في ص: 7.

(12) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: الشعر في المسجد، برقم: (453)، ص: 78، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، برقم: (2485)، ص: 1094.

(13) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، برقم: (3212)، ص: , 537, وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، برقم: (2485)، ص: 1094.