بحث عن بحث

المسجد وأحكامه

 

المطلب الخامس: فـي الأعمال الممنوعة فـي المسجد:

نذكر في هذا المبحث جملةً من الممنوعات التي ينبغي الحذر عنها والاجتناب منها في المسجد؛ سواءٌ أكان هذا المنع للتحريم أو للكراهة.

 

      البيع والشراء وما في حكمهما في المسجد:

المساجد بيوت الله تعالى أنشئت للعبادة والذكر والتعليم، فلا يجوز فيها تعاطي أمور الدنيا من البيع والشراء أو التساوم، والتكسب بالصنائع وغيرها، فقد نهي عن هذه الأشياء في المسجد، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ نَهَى عَن الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي المَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَن التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ(1)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ كَرِهُوا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي المَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ. وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي المَسْجِدِ(2)

وعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الجَمَلِ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَت المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ(3)

قال النووي: قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى مَنْع عَمَل الصَّانِع فِي المَسْجِد كَالْخِيَاطَةِ وَشَبَههَا. قَالَ: قَالَ بَعْض شُيُوخنَا: إِنَّمَا يُمْنَع فِي المَسْجِد مِنْ عَمَل الصَّنَائِع الَّتِي يَخْتَصّ بِنَفْعِهَا آحَاد النَّاس وَيَكْتَسِب بِهِ، فَلَا يُتَّخذُ المَسْجِدُ مَتْجَرًا، فَأَمَّا الصَّنَائِع الَّتِي يَشْمَل نَفْعهَا المُسْلِمِينَ فِي دِينهمْ كَالمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاح آلَات الْجِهَاد مِمَّا لَا اِمْتِهَان لِلمَسْجِدِ فِي عَمَله ، فَلَا بَأْس بِهِ(4)

 

      نشدان الضالة ونحوها:

وإن نشدان الضالة في المسجد ممنوع بحديث النبي ﷺ المروي عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا(5)

قال النووي: فيه النَّهْي عَنْ نَشْد الضَّالَّة فِي المَسْجِد، وَيَلْحَق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِن الْبَيْع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا مِن الْعُقُود، وَكَرَاهَة رَفْع الصَّوْت فِي المَسْجِد(6)

وكما مر معنا رواية بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الجَمَلِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَت المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ(7)

 

      إعطاء السائل الذي يسأل أموال الناس:

لقد شدد أهل العلم في جواز إعطاء السائل الذي يسأل في المسجد، وأقل أحواله الكراهة، لأن هذا يخرج المسجد عن وظيفته الأساسية، ويبقى ميدانًا لتباري السائلين وعرض مشكلاتهم وأحوالهم.

ولعل مما يلحق به ا تخاذ المسجد دعايةً لبعض الأشياء والمؤسسات، والاستعراض بصور وأحوال مختلفة.

 

      رفع الصوت والجدال ونعي الميت:

ومن الممنوع شرعًا رفع الصوت في المسجد والجدال فيه ونعي الميت، ويتأكد المنع إذا كان هذا الفعل فيه مشغلة للمصلين، ومما يستدل لذلك ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد قال:كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ؟(8)

•       منع الجنب والحائض من دخول المسجد:

منع أهل العلم من تلبَّسَ بحدث أكبر كالجنابة والحيض من دخول المسجد والجلوس فيه لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جَاءَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَن المَسْجِدِ. ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصْنَع الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَن المَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ(9)

لكن بعض أهل العلم من الشافعية والمالكية والحنابلة أجازوا مرور هؤلاء بالمسجد دون الجلوس فيه لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ﴾ [سورة النساء:43].

 

•       تشبيك الأيدي في المسجد للجالس فيه:

أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ، قَالَ: فَدَخَل النَّبِيُّ ﷺ فَرَأَى رَجُلًا جَالِسًا وَسَطَ المَسْجِدِ مُشَبِّكًا بَيْنَ أَصَابِعِهِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَفْطِنْ، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِن الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ فِي المَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ(10)

وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ«(11)

 

•       تجنب المسجد النجاسات من البول وغيره:

وهذا من الأفعال المحرمة التي لا يجوز فعلها في المسجد؛ لأن هذه المساجد لابد أن تكون طاهرة ونظيفة من جميع أنواع النجاسات والقاذورات، كما قال النبي ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد: إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللّٰـهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ(12)

ويدخل في ذلك إلقاء النجاسات والقاذورات المختلفة، بل ومما تكرهه النفوس؛ كتقليم الأظفار، وحلق الشعر، وطرح القمل وغيرها.

 

•       الجماع في المسجد:

ومما جاء تحريمه في المسجد الجماع، قال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة:187].

وقال ابن عباس: من خرج من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء.

ولا خلاف في تحريمه للمعتكف، أما غير المعتكف فذكر الجمهور تحريمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، برقم: (1079)، ص: 163. واللفظ له، وجامع الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد، برقم: (322)، ص: 88.

(2) جامع الترمذي، كتاب البيوع، باب: النهي عن البيع في المسجد، برقم: (1321)، ص: 320.

(3) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن نشد الضالة في المسجد، برقم: (569)، ص: 229.

(4) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الثاني، 5/55.

(5) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن نشد الضالة في المسجد، برقم: (568)، ص: 228.

(6) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الثاني، 5/55.

(7) ينظر   تخريجه على ص: 45.

(8) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: رفع الصوت في المسجد، برقم: (470)، ص: 81.

(9) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: في الجنب يدخل المسجد، برقم: (232)، ص: 43.

(10) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم: (11512)، ص: 18/77-78, وإسناده ضعيف.

(11) جامع الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة, برقم: (386)، ص: 103، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة، برقم: (562)، ص: 93.

(12) ينظر   تخريجه في ص: 7.