بحث عن بحث

تطهير النجاسة من المسجد

وما ذكر من كيفية طهارة النجاسة على الأرض فهو قول جمهور العلماء، قالوا: إنَّ الْأَرْض تَطْهُر بِصَبِّ المَاء عَلَيْهَا. وأما أبو حنيفة رَحِمَهُ الله تَعَالَى فقال: لَا تَطْهُر إِلَّا بِحَفْرِهَا.

كما ذكره النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يقول: وَفِيهِ: أَنَّ الْأَرْض تَطْهُر بِصَبِّ المَاء عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَط حَفْرهَا. وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُوحَنِيفَة ــ رَحِمَهُ الله تَعَالَى ــ لَا تَطْهُر إِلَّا بِحَفْرِهَا(1)

وقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا المَاءُ حَتَّى يُغْمَرَهَا؛ فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ المَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا(2)

وقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالمُكَاثَرَةِ بِالمَاءِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ المَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِن المَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ. خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِصَبِّ المَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَأَمَرَ بِهِ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ وَلَكِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لَاكْتُفِيَ بِهِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ المَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إِلَى المَقْصُودِ وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ(3)

وقد فصّل صاحب التحفة هذه المسألة في شرح الحديث مع إيراد الأدلة لكل فريق والحكم عليها فقال: الأَحَادِيثُ المَرْفُوعَةُ المُتَّصِلَةُ الصَّحِيحَةُ خَالِيَةٌ عَنْ حَفْرِ الأَرْضِ ، وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ حَفْرِ الْأَرْضِ؛ فَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْصُولٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُرْسَلٌ فَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ عِنْدَ مَنْ لا يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ ، وَأَمَّا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا ضَعِيفٌ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْحَفْرِ وَنَقْلِ التُّرَابِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ مُطْلَقًا، وَعِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتضدَ مُطْلَقًا. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ المَاءِ عَلَيْهَا، بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ(4)

وإزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية، فقد حكى البغوي وغيره إجماع المسلمين على أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية، وطهارة الخبث من باب التروك، لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة المتبعة وغيرهم، بل لو زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن إذا زال الخبث بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 3/190-191.

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/325.

(3) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، 2/40-41.

(4) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري، 1/139.

(5) حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، 1/339.