بحث عن بحث

نجاسة بول الآدمي وكيفية إزالتها

 

قال النووي في شرح الحديث: فِيهِ إِثْبَات نَجَاسَة بَوْل الْآدَمِيّ وَهُوَ مُـجْمَع عَلَيْهِ ، وَلَا فَرْق بَيْن الْكَبِير وَالصَّغِير بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ، لَكِنَّ بَوْل الصَّغِير يَكْفِي فِيهِ النَّضْح(1)

كما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ(2)

قال النووي: وَفِيهِ: مَقْصُود الْبَاب وَهُوَ: أَنَّ بَوْل الصَّبِيّ يَكْفِي فِيهِ النَّضْح، وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة طَهَارَة بَوْل الصَّبِيّ وَالْجَارِيَة عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب وَهِيَ ثَلَاثَة أَوْجُه لأصْحَابِنَا: الصَّحِيح المَشْهُور المُخْتَار: أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْح فِي بَوْل الصَّبِيّ، وَلَا يَكْفِي فِي بَوْل الْجَارِيَة، بَلْ لَا بُدّ مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَات. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْح فِيهِمَا. وَالثَّالِث: لَا يَكْفِي النَّضْح فِيهِمَا. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِب التَّتِمَّة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْره، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفَرْقِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح، والحَسَن الْبَصْرِيّ، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ، وَجَمَاعَة مِن السَّلَف وَأَصْحَاب الْحَدِيث، وَابْن وَهْب مِنْ أَصْحَاب مَالِك رَضِيَ الله عَنْهُمَا.

 

وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ غَسْلهمَا أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك فِي المَشْهُور عَنْهُمَا وَأَهْل الْكُوفَة. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَاف إِنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّة تَطْهِير الشَّيْء الَّذِي بَال عَلَيْهِ الصَّبِيّ، وَلَا خِلَاف فِي نَجَاسَته، وَقَدْ نَقَلَ بَعْض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى نَجَاسَة بَوْل الصَّبِيّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِف فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ الظَّاهِرِيّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: وَلَيْسَ تَجْوِيز مَنْ جَوَّزَ النَّضْح فِي الصَّبِيّ مِنْ أَجْل أَنَّ بَوْله لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْل التَّخْفِيف فِي إِزَالَته، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاض عَن الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّهُمْ قَالُوا: بَوْل الصَّبِيّ طَاهِر فَيُنْضَح، فَحِكَايَة بَاطِلَة قَطْعًا.

 

ثُمَّ إِنَّ النَّضْح إِنمَّا يَجْزِي مَا دَامَ الصَّبِيّ يَقْتَصِر بِهِ عَلَى الرَّضَاع، أَمَّا إِذَا أَكَلَ الطَّعَام عَلَى جِهَة التَّغْذِيَة فَإِنَّهُ يَجِب الْغَسْل بِلَا خِلَاف. وَاللهُ أَعْلَم(3)

وعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ.

قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ قَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا(4)

وفي رواية مسلم عنها: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، قَالَ عُبَيْدُ اللّٰـهِ: أَخْبَرَتْنِي: أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ، فَدَعَا رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا(5)

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ: يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(6)

 

قال فضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: إذا كانت النجاسة بول غلام صغير لم يأكل الطعام فإنه يكتفي أن تغمر بالماء الذي يستوعب المحل النجس، وهو ما يعرف عند العلماء بالنضح، ولا يحتاج إلى غسل، وذلك لأن نجاسة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام نجاسة مخففة)7)

والنضح ــ في الأصل ــ الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، وفي الكافي: أن يغمره بالماء وإن لم ينزل عنه وهو نجس، صرح به الجمهور، هذا إذا لم يأكل الطعام لشهوة أو اختيار، فإنه قد يلعق العسل ساعة يولد، ويناول السفوف ونحوه، والنبي ﷺ حنّك بالتمر، فليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيح أو يشير إليه، فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام، فإن أكله لشهوة واختيار غسل(8)

 

فيفهم مما سبق: أن بول الآدمي نجس باتفاق العلماء، وأما كيفية الطهارة منها: فإنه لا بد من غسله بالماء، اللهم إلا إذا كان رضيعًا فله حكم آخر كما مر معنا في الأحاديث السابقة فإنه يغسل بول الجارية، ويرش بول الغلام، وأما إذا بدأ يطعم فإنه يغسل بوله باتفاق العلماء.

وقد ذكر بعض العلماء الحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى ــ والله أعلم بالحقيقة ــ أن بول الغلام يخرج بقوة فينتشر، أو أنه يكثر حمله فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار فبوله رقيق، بخلاف الأنثى فبولها أنتن وأخبث لرطوبتها، فتكون هذه المعاني مؤثرة في الفرق(9)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 3/190.

(2) صحيح البخاري، كتاب الدعوات: باب: الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم، برقم: (6355)، ص: 1104، وصحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، برقم: (286)، ص: 133-134، واللفظ له.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 3/195.

(4) ينظر   تخريجه على ص: 50.

(5) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، برقم: (287)، ص: 134.

(6) ينظر   تخريجه على ص: 51.

(7) فقه العبادات، فتاوى فضيلة الشيخ العثيمين رحمه الله، إعداد وتقديم: أ.د. عبد الله أحمد الطيار، ص: 124.

(8) ينظر: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، 1/356-357.

(9) ينظر: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، 1/357.