بحث عن بحث

احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار

 

إن المساجد بيوت الله، وهي مكرمة ومحترمة، ولا بد أن تصان من الأقذار والأنجاس، وقد حثّ النبي ﷺ على نظافتها، كما جاء في الحديث: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ(1)

وعَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَنِيهِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالمَسَاجِدِ: أَنْ نَصْنَعَهَا فِي دورِنَا، وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا، وَنُطَهِّرَهَا(2)

 

قال صاحب عون المعبود: (وَأَنْ تُنَظَّف): مَعْنَاهُ تُطَهَّر، وَالمُرَاد تَنْظِيفهَا مِن الْوَسَخ وَالدَّنَس وَبِإِزَالَةِ النَّتْن وَالْعَذِرَات وَالتُّرَاب. (وَتُطَيَّب): بِالرَّشِّ أَو العِطْر. قال ابن رَسْلَان: بِطِيبِ الرِّجَال وَهُوَ مَا خَفِيَ لَوْنه وَظَهَر رِيحه، فَإِنَّ اللَّوْن رُبَّمَا شَغَلَ بَصَر المُصَلِّي. والأولى فِي تَطْيِيب المَسْجِد مَوَاضِع المُصَلِّينَ وَمَوَاضِع سُجُودهمْ أَوْلَى. وَيَجُوز أَنْ يُحْمَل التَّطْيِيب عَلَى التَّجْمِير فِي المَسْجِد بِالْبَخُورِ(3)

 

وكان النبي ﷺ يحب أن يكون المسجد نظيفًا، فمن ذلك أنه أثنى على الصحابي الذي جاء بالحصى وبسطه في المسجد؛ فعَنْ أَبِي الْوَلِيدِ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَن الْحَصَى الَّذِي فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: مُطِرْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَت الأرضُ مُبْتَلَّةً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالحَصَى فِي ثَوْبِهِ فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا(4)

وكان يكره تنجيسه، كما جاء في الحديث أن صحابياً بصق في المسجد وهو يؤمّ الناس؛ فغضب عليه، ومنعه من أن يؤمّ الناس، فعَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بنِ خَلَّادٍ، قَالَ أَحْمَدُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ: لَا يُصَلِّي لَكُمْ، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ، فَقَالَ: نَعَمْ. وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكَ آذَيْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ(5)

وكان يخطب يومًا فرأى نخامةً في قبلة المسجد فتغيظ على الناس، فعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمًا، إِذْ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَكَّهَا، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فَدَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إِذَا صَلَّى فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ(6)

 

وفي رواية :عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا؛ وَوَصَفَ الْقَاسِمُ فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ(7) الحديث.

وفي رواية أن الله يعرض بوجهه عن فاعله، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَتَيْنَا جَابِرًا يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللّٰـهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَنَظَرَ فَرَأَى فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَحَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ دَلَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَرُونِي عَبِيرًا. فَقَامَ فَتًى مِن الحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ، قَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُم الخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ(8)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: اتخاذ المساجد في الدور، برقم: (455)، ص: 77, وجامع الترمذي، كتاب الجمعة، باب: ما ذكر في تطييب المساجد, برقم: (594)، ص: 154.

(2) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: اتخاذ المساجد في الدور, برقم: (456)، ص: 77.

(3) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، 2/126.

(4) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: في حصى المسجد، برقم: (458)، ص: 77.

(5) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: في كراهية البزاق في المسجد، برقم: (481)، ص:80.

(6) صحيح البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، برقم: (1213)، ص: 193، وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، برقم: (547)، ص: 223، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: في كراهية البزاق في المسجد، برقم: (479)، ص: 79-80.

(7) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، برقم: (550)، ص: 223-224.

(8) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: في كراهية البزاق في المسجد، برقم: (485)، ص:80.