بحث عن بحث

وجوب إنكار المنكر

 

فقد مرّ بنا في بداية الكتاب عند ما عرضنا نص الحديث أن الأعرابي لما بال في المسجد بادر الصحابة إلى منعه من إنجاس المسجد، حتى نهاهم النبي ﷺ فانتهوا، فيفهم منه أن إنكار المنكر كان مقررًا عندهم، وأمرًا معلومًا ومشاعًا بينهم، يقول الحافظ ابن حجر: «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ: أَنَّ الِاحْتِرَازَ مِن النَّجَاسَةِ كَانَ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِهَذَا بَادَرُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ، وَلِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَنْ طَلَبِ الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ». ولأهمية هذا المبدأ العظيم نعرضه في النقاط الآتية.

 

أهمية هذا المبدأ:

إنكار المنكر مبدأ جعل هذه الأمة خير الأمم، فمن مسؤولياتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ﴾ [سورة آل عمران: 110].

وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: 104].

ومن أسباب اللعنة على بني إسرائيل أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة: 78-79].

وأن التهاون بالنهي عن المنكر من أسباب حلول نقم الله على العباد، قال تعالى حكايةً عن طائفة من بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: 164-165].

 

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال جمهور المفسرين إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية: فرقة عصت وصادت، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثني عشر ألفًا، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قوماً  ــ تريد العاصية ــ الله مهلكهم أو معذبهم، على غلبة الظن، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذٍ بالأمم العاصية، فقالت الناهية: موعظتنا معذرةٌ إلى الله لعلهم يتقون، ...ثم اختلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبةً على ترك النهي، قاله ابن عباس. وقال أيضًا: ما أدري ما فعل بهم، وهو الظاهر من الآية(1)

 

كما يشير إلى هذا المفهوم حديث النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَثَلُ المُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللّٰـهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ مَثَلُ قَوْمٍ: اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِن المَاءِ. فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ(2)

قال ابن حجر في شرح الحديث: قَوْله: «فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ» أَي: مَنَعُوهُ مِن الْحَفْر.. وإِقَامَة الْحُدُود يَحْصُل بِهَا النَّجَاة لِمَنْ أَقَامَهَا وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا هَلَكَ الْعَاصِي بِالمَعْصِيَةِ وَالسَّاكِت بِالرِّضَا بِهَا.. وَفِيهِ اسْتِحْقَاق الْعُقُوبَة بِتَرْكِ الْأَمْر بِالمَعْرُوفِ، وَتَبْيِين الْعَالِم الْحُكْم بِضَرْبِ المَثَل، وَوُجُوب الصَّبْر عَلَى أَذَى الْجَار إِذَا خَشِيَ وُقُوع مَا هُوَ أَشَدّ ضَرَرًا.

 

وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَن المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ(3)

قال صاحب التحفة في شرح هذا الحديث: وَالمَعْنَى: «وَاللّٰـهِ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ؛ إِمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْكُمْ، وَإِمَّا إِنْزَالُ الْعَذَابِ مِنْ رَبِّكُمْ، ثُمَّ عَدَمُ اِسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْكُمْ، بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَمْ يَكُنْ عَذَابٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَانَ عَذَابٌ عَظِيمٌ«

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 4/307.

(2) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب: القرعة في المشكلات، برقم: (2686)، ص: 438.

(3) جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم: (2169)، ص:  498-499.