بحث عن بحث

مراتب إنكار المنكر

 

مراتب الإنكار: وَأَمَّا صِفَة النَّهْي وَمَرَاتِبه فَقَدْ قَالَ النَّبِيّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح: «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» فَقَوْله ﷺ: «فَبِقَلْبِهِ» مَعْنَاهُ: فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِزَالَةٍ وَتَغْيِيرٍ مِنْهُ لِلمُنْكَرِ، وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي وُسْعِهِ.

 

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ الله: هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي صِفَة التَّغْيِير فَحَقُّ المُغَيِّر أَنْ يُغَيِّرهُ بِكُلِّ وَجْه أَمْكَنَهُ زَوَاله بِهِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا; فَيَكْسِر آلَات الْبَاطِل، وَيُرِيق المُسْكِر بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُر مَنْ يَفْعَلهُ، وَيَنْزِع الْغُصُوبَ وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْحَابهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأَمْرِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ وَيَرْفُق فِي التَّغْيِير جَهْده بِالْجَاهِلِ وَبِذِي الْعِزَّة الظَّالِم المَخُوف شَرّه; إِذْ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُول قَوْله. كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُون مُتَوَلِّي ذَلِكَ مِنْ أَهْل الصَّلَاح وَالْفَضْل لِهَذَا المَعْنَى. وَيُغْلِظ عَلَى المُتَمَادِي فِي غَيّه، وَالمُسْرِف فِي بَطَالَته; إِذَا أَمِنَ أَنْ يُؤَثِّر إِغْلَاظُه مُنْكَرًا أَشَدّ مِمَّا غَيَّرَهُ لِكَوْنِ جَانِبه مَحْمِيًّا عَنْ سَطْوَة الظَّالِم. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدّ مِنْهُ مِنْ قَتْله أَوْ قَتْل غَيْره بِسَبَبٍ كَفَّ يَدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْل بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظ وَالتَّخْوِيف. فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّب قَوْله مِثْل ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ، وَكَانَ فِي سَعَة، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ اِسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَار سِلَاحٍ وَحَرْبٍ، وَلْيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَهُ الأمْر إِنْ كَانَ المُنْكَر مِنْ غَيْره، أَوْ يَقْتَصِر عَلَى تَغْيِيره بِقَلْبِهِ. هَذَا هُوَ فِقْه المَسْأَلَة، وَصَوَاب الْعَمَل فِيهَا عِنْد الْعُلَمَاء وَالمُحَقِّقِينَ خِلَافًا لِمَنْ رَأَى الإنْكَار بِالتَّصْرِيحِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ قُتِلَ وَنِيل مِنْهُ كُلّ أَذَى. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ الله.

 

ويقول ابن القيم رحمه الله: فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يقِلَّ وإن لم يزل بجملته.

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

 

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشّاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع؛ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم(1)

 

والدليل من الحديث أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، فعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ... وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُم الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَرَوْنَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ فِي الْغَزْوِ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْعَدُوِّ، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ وَرَجَعَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ كَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ(2)

 

فهذا حد من حدود الله، وقد نهي عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا، وأيضاً قصة أبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فعفا عنه سعد بن أبي وقاص لأنه أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله، يقول ابن القيم: «وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارضٍ أمرٌ وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى«(3)

 

وقال أيضاً: إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف كما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة» ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لماّ فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهدٍ بكفرٍ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه(4)

 

ومن هنا نقول: إنه يجب على المنكر أن يراعي المصلحة الراجحة من إنكاره؛ فإن ترتب على إنكاره منكر مثله أو مفسدة أعظم منه فالاجتناب عن الإنكار والسكوت عليه أولى. وبالله التوفيق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إعلام الموقعين لابن القيم المجلد الثاني، 3/12-13.

(2) جامع الترمذي، كتاب الحدود، باب: ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو، برقم: (1450)، ص:352 . وقال: هذا حديث غريب.

(3) إعلام الموقعين لابن القيم (المجلد الثاني)، 3/14.

(4) إعلام الموقعين لابن القيم المجلد الثاني، 3/12.