بحث عن بحث

فضائل الدعوة

 

مما يستنبط من هذا الحديث حكمة النبي ﷺ في إنكاره على الأعرابي، ونهيه الصحابة رضي الله عنهم عن زجره، ودعوته لهذا الأعرابي وتعليمه إياه، مما يجلي لنا منهجًا عظيمًا في الدعوة إلى الله تعالى والتعامل معها بهذا المنهج العظيم، ولعلنا نعرضه في النقاط الآتية:

      أولاً: فضائل الدعوة:

لا يخفى على مسلمٍ بصيرٍ بدينه أن الدعوة إلى الله وتبليغ دينه إلى عامة الناس من أهم الواجبات، وأن مرتبتها من أعلى المراتب وأفضل القربات، وفضلها كبيرٌ، وأجرها عظيمٌ، حيث ندب الله إليها في كتابه، وحث عليها رسوله ﷺ، بل كانت حياته كلها ﷺ قائمة على ذلك، وهي ميراثه عليه الصلاة والسلام؛ قال تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. ونشير هنا إلى شيء من فضائلها وآثارها، ومنها:

 

•       أنها ميراث نبينا محمد ﷺ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67].

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ في حديث طويل ومنه: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ«(1)

ومن متطلبات العلم: العمل به، والدعوة إليه، وتحمل الأذى في سبيله.

 

•       ومن فضائلها أن الله أثنى على الدعاة إليه، العاملين بعلمهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

 

•       أن للداعية أجرًا جزيلًا وثوابًا عظيمًا؛ فقد جاء في الصحيح من قول النبي ﷺ في حديثٍ طويلٍ أنه قال لعليٍ رضي الله عنه يوم خيبر: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَوَاللّٰـهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ«(2)

 

•       ومنها استمرار الحسنات للداعية، لأنها من العلم الذي ينتفع به، فقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ«(3)

 

•       ويكرم الداعية بمعية النبي ﷺ لقيامه بمهمة الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].

 

•       إن الدعوة إلى الله يحصل بها الإصلاح في الأرض، ومن ثم تنشر الفضائل و تخفى الفواحش، وقد أشار إليه نبي الله شعيب حينما خاطب قومه: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ﴾ [سورة هود: 88].

 

قال ابن كثير:«أي فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي«(4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع الترمذي، كتاب العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم: (2682)، ص: 608-609، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب: الحث على طلب العلم، برقم: (3641)، ص: 523.

(2) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: فضل من أسلم على يديه رجل, برقم: (3009)، ص: 497، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي ين أبي طالب رضي الله عنه، برقم: (2406)، ص: 1060.

(3) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته, برقم: (1631)، ص: 716.

(4) تفسير ابن كثير، 4/275.