بحث عن بحث

الحكمة فـي الدعوة

 

      ثانيًا: الحكمة فـي الدعوة:

إن الدعوة إلى الله مهمة عظيمة وشريفة، وأجرها عظيم وفضلها عميم؛ لذا ينبغي على الداعية أن يحتسب الأجر في الدعوة، ويختار أنفع الأساليب لإيصال الدعوة إلى المدعويين، ولكي يكتب للدعوة النجاح لا بد له من مراعاة الحكمة في دعوته؛ وقد أشير إلى بعضها في هذه الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة النحل :125]. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ففي الدعوة أن يتصف الداعية بالصفات المقبولة ويعمل الأساليب المقبولة.

 

والله تعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يدعو الناس بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق، ولين، وحسن خطاب، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 46].

 

وهنا أذكر بعض نقاط الحكمة في الدعوة لكي يستعين بها الداعية في طريقه الدعوي.

•       من الحكمة التخطيط السليم: إن الدعوة إلى الله كأي عمل آخر تحتاج إلى  تخطيط سليم وتدبير دقيق، ويترتب عليه نجاح الدعوة وفشلها بعد إرادة الله تعالى، وكان الرسول ﷺ يسير في دعوته بتخطيط مدروس، وهذا واضح في سيرته الدعوية كلها، بل كان يسير بعناية الله تعالى، فنرى مثلاً واقعة الهجرة، كيف اختار لصحبته رفيقه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، واختفىٰ في غار ثور الذي في جهة اليمن، وتحرّىٰ أخبار قريش، وسلك طريق الساحل غير المعتاد، حتى وصل إلى المدينة بحفظ الله ثم بتخطيطه السليم بصحة وسلامة. وهكذا يجب أن تسير الدعوة في جميع مشاريعها على مستوى الداعية الفرد، وعلى مستوى الدعوة بأكملها.

 

 

•       ومنها التسلح بسلاح العلم: إن الدعوة يجب أن تكون قائمة على العلم بالله ورسوله ودينه وشرعه، ومن ثم فالداعية يجب أن تكون دعوته على بينة وعلم بما يدعو إليه، يقول تعالى: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108]، والذي يدعو بغير علم قد يدعو إلى الشر ويحسبه معروفًا، أو ينهى عن المعروف ويحسبه منكرًا، وقد حرم الله سبحانه وتعالى أن يقول الناس على الله ما لا يعلمون، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

 

روى أيوب عن ابن مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية: فقال: «أيّ أرضٍ تقلني وأيّ سماءٍ تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله بها»؟(1)

وروي مثله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عن زاذان وأبي البختري، عن على بن أبي طالب أنه قال: أيّ أرض تقلني، أو أيّ سماءٍ تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم(2)

وقال ابن مسعودٍ: من كان عنده علم فليقل به؛ ومن لم يكن عنده علم فليقل: «الله أعلم» فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [سورة ص: 86](3)

 

فإذا سأله أحد عن مسألة ما لا يعلمها فليقل: لا أعلم، أو لا أدري، فهو خير من أن يقول على الله ما لا يعلم، وقد كان سلفنا الصالح يتحرون كثيرًا في هذا الباب، وأقوالهم المأثورة في ذلك أكثر من أن تحصى، قال ابن سيرين: «لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول ما لا يعلم«(4)

وسئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: «لا أعلم»، ثم قال: «ويل للذي يقول لما لا يعلم إني أعلم(5)

وقال الشعبي: «لا أدري» نصف العلم(6)

 

وروي عن ابن عون أنه قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: «لا أحسنه»، فجعل الرجل يقول: إني رفعت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: « لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه»، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي ألزمها فو الله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: «والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به«(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، (المجلد الأول), 2/126.

(2) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، (المجلد الأول) 2/65

(3) المرجع السابق، 2/64.

(4) إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، (المجلد الأول) , 2/127.

(5) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، (المجلد الأول) 2/66

(6) إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، (المجلد الأول) , 2/128.

(7) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، (المجلد الأول) 2/66