بحث عن بحث

الحكمة فـي الدعوة

  

  ومنها أن لا يناقض قوله فعله: من المهم للداعية أن لا يكون ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فإن هذه خصلة ذميمة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف :2-3]، وكما أنكر تعالى على بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: 44]، وقد ضرب الله مثلاً سيئًا لعلماء أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة: 5]، فالتناقض بين القول والفعل علامة على ضعف المحبة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وخلاف الحكمة؛ إذ الناس سَيَرَوْنَ عمل الداعية التي يخالف قوله، ومن ثم يغمزونه ويلمزونه ولا يقبلونه.

 

       ومنها الاتصاف بالحلم والرفق: إن عملية الدعوة تحتاج إلى كثير من الرفق بالمدعو، وديننا الإسلامي دين المحبة والأخوة، ودين التواد والتراحم، وأشاع هذه الصفة في المجتمع ليسود الود والوئام، وتتفشى الأخوة والترابط، وتعلو السماحة والبشر، وقد تمثلت هذه المعاني في معاملة النبي ﷺ ودعوته وسلوكه، وعلاقاته وارتباطاته حتى شهد الله له تعالى بذلك، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ سورة القلم: 4].

ومما جعل دعوة النبي ﷺ ناجحة كونه ﷺ لينًا هينًا رفيقًا بشوشًا حليمًا، يقول تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وقد أوصى الله سبحانه موسى وهارون عليهما السلام بالقول اللين مع فرعون وهو من أطغى الطغاة، قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 43، 44]. فيختار الداعية اللين واللطف في القول والعمل فهي من أعظم مجالات الحكمة. أما الغلظة والجفاء فلا تكون إلا في حالات نادرة، ولأسباب قد تدعو إلى ذلك كحالة الحرب، ونحو ذلك.

 

•       كما يجب عليه أن يكون طليق الوجه غير عابس: فإن طلاقة الوجه تبشر بالخير، ويقبل عليه الناس، والوجه العبوس سبب لنفرة الناس. والطلاقة والبشر من المعروف الذي أمر به النبي ﷺ أمته: فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنهقَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَحْقِرَنَّ مِن المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ(1)

قال النووي: «فِيهِ الْحَثّ عَلَى فَضْل المَعْرُوف، وَمَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، حَتَّى طَلَاقَة الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء«

 

•       كما على الداعية أن يجتنب الكبر: فقد حذر الإسلام من الكبر، والكبر: بطر الحق وغمط الناس؛ كما جاء في الحديث: فعَنْ عَبْدِ اللّٰـهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْـجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ؛ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ(2)

وللداعية في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد كان ﷺ متواضعاً يتعاهد الناس ويقوم بحاجاتهم مع عظم مسئولياته، كما جاء في الحديث عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْـجَنَّةِ ؟كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ؛ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّٰـهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ(3)

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: إِنْ كَانَت الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ(4)

 

وفي مسند أحمد عن ابنة لخباب قالت: خرج خباب في سرية فكان النبي ﷺ يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، قالت: فكان يحلبها حتى يطفح أو يفيض فلما رجع خباب حلبها، فرجع حلابها إلى ما كان، فقلنا له: كان رسول الله ﷺ يحلبها حتى يفيض، وقال مرة: حتى تمتلئ، فلما حلبتها رجع حلابها(5)

ومن التواضع قبول النصح من الآخرين ولو كان دونه، أو كان من عدوه، فيحسن بالداعية أن يتقبل ذلك، ولا تأخذه العزة بالإثم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي»(6). وكل هذا من الحكمة؛ لأنه طريق لتقبل دعوته.

وعَنْ عَبْدِ اللّٰـهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْر، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقْصِرُ الخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَـهُمَا حَاجَتَهُمَا(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، برقم: (2626)، ص: 1145.                                         

(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، برقم: (91)، ص: 54.                                                                                 

(3) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الكبر، برقم: (6071)، ص: 1060.                                                                                    

(4) المرجع السابق، برقم: (6072)، ص: 1060.

(5) مسند أحمد، برقم: (21071)، 34/ 549، وبرقم: (27097)، 45/49، وإسناده ضعيف.        

(6) ذكره الدارمي في المقدمة في حديث طويل، في رسالة عباد بن عباد الخواص الشامي, 1/163.

(7) ذكره الدارمي في المقدمة، باب: في تواضع رسول الله ﷺ , 1/35.