بحث عن بحث

       الحكمة فـي الدعوة

 

 ومنها التزود بزاد الصبر: إن الداعية قد يواجه في دعوته عدم القبول، وقد يتلقى مقابل دعوته السخرية والاستهزاء، ويعترضه عقبات وعراقيل، فالجنة محفوفة بالعقبات والأشواك، وفي الحديث عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: حُفَّت الْـجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّت النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ(1)

والداعية الناجح هو الذي يصبر على مثل هذه المواقف، ويتحمل الأذى ولا يغضب؛ لأنه من آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم، وجهّالهم، وأهل البدع والفجور، وأهل الرياسات الباطلة، فليصبر الداعية ويصابر، وليكن قويًا في إيمان لا تزعزعه الرجال، ولا تقلقله الجبال، ولا تحله المحن والشدائد والمخاوف.

وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر فقال: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٩٦﴾ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿٩٧﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴿٩٨﴾ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: 94-99]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة: 24].

 

•       ومنها: اختيار الوقت المناسب للدعوة، وهذا ما نجده في قصة يوسف حين جاءه الفتيان وقصا عليه رؤياهما واستفسرا التعبير، فاغتنم الفرصة ودعاهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك قبل أن يخبرهما بالتعبير. قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .... إلى أن قال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لما فرغ من الدعوة إلى التوحيد أخبرهما بتعبير رؤياهما، فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [ سورة يوسف: 36-41].

 

ومنها: اختيار المكان المناسب للدعوة؛ كما كان النبي ﷺ يختار المسجد لتوجيه الصحابة إلى الخير، فيختار الداعية لدعوته المسجد، أو مكاناً هادئاً، بعيدًا عن الأسواق والشوارع التي فيها شغب وصخب أو أمكنة الملاهي ونحو ذلك.

 

 

ومنها: اختيار الموضوع المناسب للدعوة، لأن لكل فنٍ رجالاً، ولكل مقامٍ مقالاً، فيختار الموضوع المناسب للمقام، حتى لا يثقل على المدعوين، وبالتالي يفقد استجابتهم لكلامه.

 

ومنها: مراعاة أحوال المدعوين، هل هم الجمهور من العوام، أو النخبة المثقفة منهم، أو من الطلاب، أو الطالبات، أو الأطباء، أو الدعاة وهكذا. فيلزم الداعية إعطاء كل ذي حق حقه، في نوعية الخطاب والكلام، فالرجال يختلفون عن النساء، والصغار يختلفون عن الكبار، وهكذا.

 

ومنها: تنوع البرامج: البرامج الدعوية إذا كانت على نمط واحد فإن المدعو قد يملّ، لذا لابد من تقديم البرامج المتنوعة، إذا كانت البرامج متنوعة تشد انتباه المستمعين، وتترك أثرًا عميقًا في قلوبهم ومن ثمّ على سلوكهم. وأن تكون على فترات متباعدة مخافة السآمة؛ كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللّٰـهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا(2)

قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الِاقْتِصَاد فِي المَوْعِظَة، لِئَلَّا تَمَلّهَا الْقُلُوب فَيَفُوت مَقْصُودهَا(3)

 

•       ومنها:التوازن بين المتطلبات العقلية والروحية والجسمية، في البيت، والشارع، والميدان، والمدرسة، فرسول الله ﷺ كان يشارك أهله، ويقود الجيش، ويقوم الليل، وهكذا في جميع الأمور، فلنا في رسول الله أسوة حسنة. وينبني عليه عدم الغلو أو التقصير، أو الإفراط أو التفريط، كما قال تعالى عن صفات عباده: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ [سورة الفرقان: 67]. فليجتنب الإفراط والتفريط في الدعوة، فلا يقصر ولا يتجاوز الحد، والطريق الوسط هو المطلوب في جميع الأمور، وكما نعلم أن خير الأمور أوساطها.

وهذه قاعدة عظيمة: ــ أعني التوازن ــ فلا يسرف على نفسه في جانب ويهمل جانبًا آخر، كمن يحرص على الدعوة، ويهمل كثيرًا من السنن، أو يدعو الآخرين وينسى أسرته، أو يهتم بطلب العلم والقراءة متناسيًا صلاته وخشوعه ودعاءه وقراءته، وهكذا.

 

ومنها: المحاسبة والتقويم: يلزم للدعوة أن تحاسب نفسها بعد كل فترة، وتقوّم عملها وأهدافها ومشاريعها بين حين وآخر، هل طرأ على أفرادها كلل أو فتور؟ وهل هم على جادة الصواب أم جانبوها؟ وهل هم مستمرون على المنهج السليم أو اختاروا المنهج الفاسد؟ وما هي الثمار التي اقتطفوها خلال هذه المدة ؟ وما هي النتائج التي استثمروها في دعوتهم؟

هذه بعض مواضع الحكمة التي يجب على الداعية أن يفقهها ويتعامل بمقتضاها ليصل إلى هدفه المنشود، وتلك بعض الخصال التي إذا اتصف بها الداعية أصبح داعية حقاً إلى الله بعمله قبل أن يكون بكلامه، جعلني الله وإياكم كذلك(4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: صفة الجنة، برقم: (2822)، ص:1228.

(2) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومةً, برقم: (70)، ص:17، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الاقتصاد في الموعظة، برقم: (2821)، ص: 1228.                                                                                                                                                                

(3) شرح النووي على صحيح مسلم، 17/164.

(4) ولمزيد التفصيل ينظر ما كتبته حول هذا الموضوع في شرح حديث: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم.