بحث عن بحث

    حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة

 بعض الأمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

قال الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله عن نبيه محمد ﷺ: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب:21].

فيتضح من هذه الآية الكريمة أن حياة الرسول ﷺ كلها أسوة لأمته في جميع ميادين الحياة، وبالأخص للدعاة؛ لأن حياته ﷺ كانت كلها في الدعوة، والدارس لسيرته يرى نماذج مشرقة، ووقفات رائعة في المجال الدعوي، وفيما يلي نذكر بعض النماذج العطرة، فنقول:

 

 

•       من النماذج الرائعة المليئة بالحكمة القصة التي رواها الإمام أحمد أن شابًا أتى النبي ﷺ فاستأذنه بالزنا، فغضب الصحابة وزجروه؛ ولكن النبي ﷺ لم يغضب عليه ولم يزجره، بل أدناه إليه وخاطبه بأسلوب رائع الذي أجبر الفتى أن يبتعد عن هذه الفاحشة برضا نفسه ورغبة منه؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰـهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ. فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ. قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّٰـهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّٰـهِ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّٰـهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّٰـهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّٰـهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ«(1)

 

•       ومنها قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يطلب المال فأراه النبي ﷺ بديلاً من السؤال الذي يحفظه من مذلة السؤال، حيث أمره أن يحتطب ويتكسب به، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا مِن الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: بَلَى! حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِن المَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا. قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا. فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُّومًا فَآتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ المَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ(2)

 

•       ومنها هذا الحديث الذي يعالج خصلة ذميمة من الخصال المكروهة ألا وهي الكذب، فعَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللّٰـهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْـجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللّٰـهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللّٰـهِ كَذَّابًا(3)

 

•       ومنها الحديث المروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْصِنِي قَالَ: لَا تَغْضَبْ. فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لَا تَغْضَبْ(4). فنرى كيف استعمل أسلوب التكرار لعلاجه.

 

•       ومنها كيفية تصفية القضية التي حدثت بين رجل وصاحبه، وقد أتى إلى النبي ﷺ يشكو من جاره؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ. فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ. فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ(5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند الإمام أحمد، 36/545، برقم: (22211)، وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح.

(2) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: ما تجوز فيه المسألة، برقم: (1641)، ص: 244، وسنن ابن ماجه، كتاب التجارات، باب: بيع المزايدة، برقم: (2198)، ص: 315.

(3) صحيح البخاري، كتاب الأدب، برقم: (6094)، ص: 1063, وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، برقم : (2607)، ص: 1138.

(4) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم: (6116)، ص: 1066، وينظر ما كتبته في رسالة: حديث: لا تغضب دراسة حديثية دعوية نفسية.

(5) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: في حق الجوار، برقم: (5153)، ص: 724.