بحث عن بحث

        الدلالة على قاعدة المصالح والمفاسد

 

إذا أمعنا النظر في كلمات الحديث اتضح لنا وضوح الشمس في رابعة النهار، أن النبي ﷺ أتى بشريعة سمحاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهذه الشريعة تراعي مصالح العباد حيث تجلب لهم النفع وتدرأ عنهم الضر، فنرى أنموذجًا رفيعًا لجلب المصالح ودفع المضار، بل نرى تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة؛ في هذا الحديث ــ حديث بول الأعرابي في المسجد ــ حيث نهى النبي ﷺ أصحابه عن قطع البول على الأعرابي؛ لأن أصل التنجيس حصل بأول قطرة من بوله، وفي المنع من بوله إضرار به وبالمسجد بحيث تنتشر القطرات في أماكن متفرقة من المسجد، فراعى النبي ﷺ مصلحته ودرء المفسدة عنه مقابل حرمة المسجد ونظافته.

 

يقول النووي في شرح الحديث: «وَفِيهِ: دَفْع أَعْظَم الضَّرَرَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَخَفِّهِمَا; لِقَوْلِهِ ﷺ: (دَعُوهُ). قَالَ الْعلمَاء: كَانَ قَوْله ﷺ: «دَعُوهُ» لِمَصْلَحَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ عَلَيْهِ بَوْله تَضَرَّرَ, وَأَصْل التَّنْجِيس قَدْ حَصَلَ فَكَانَ احْتِمَال زِيَادَته أَوْلَى مِنْ إِيقَاع الضَّرَر بِهِ. وَالثَّانِيَة: أَنَّ التَّنْجِيس قَدْ حَصَلَ فِي جُزْء يَسِير مِن المَسْجِد فَلَوْ أَقَامُوهُ فِي أَثْنَاء بَوْله لَتَنَجَّسَتْ ثِيَابه وَبَدَنه وَمَوَاضِع كَثِيرَة مِن المَسْجِد. وَاللهُ أَعْلَم«(1)

 

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ: أَنَّ الِاحْتِرَازَ مِن النَّجَاسَةِ كَانَ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِهَذَا بَادَرُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ, وَلِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا من طَلَبِ الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ، ولَمْ يُنْكِر النَّبِيّ ﷺ عَلَى الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ لِمَ نَهَيْتُم الْأَعْرَابِيَّ ؟ بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؛ وَهُوَ دَفْعُ أَعْظَمِ المَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا, وَتَحْصِيلُ أَعْظَمِ المَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَيْسَرِهِمَا. وَفِيهِ المُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَةِ المَفَاسِدِ عِنْدَ زَوَال المَانِع لِأَمْرِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِهِ بِصَبِّ المَاءِ(2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، 1/191.

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/324-325.