بحث عن بحث

أهم المصالح المراعاة بها في الشريعة خمسة

 

5.     حفظ النسل والعرض: من أسباب البقاء التناسل بطريقة مشروعة، من أجل ذلك شرع الإسلام الزواج، وحثَّ الناس عليه؛ كما جاء في الحديث: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَن اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ«(1)

كما حث على التكاثر بالأولاد، والتزوج بالولود؛ فعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُم الْأُمَمَ(2)

ومن أجل حماية أعراض الناس وسمعتهم حرم الاعتداء على الأعراض، وتوعده بعقوبات شديدة في الدنيا والآخرة، وحدّ حدودًا لمن يتعرض لها بسوء، فأوجب حد القذف لمن يقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور: 4]، وتوعد لهم باللعن والعذاب الشديد؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: 23].

 

وإذا كان هذا الأمر بين الزوجين شرع لهما اللعان؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّـهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٦﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّـهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٧﴾ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّـهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٨﴾ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّـهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾[سورة النور: 6-9].

وكذلك أوجب الحد على الزاني؛ وهو جلد مائة ونفي عام لغير المحصن، والرجم بالحجارة إلى الموت لمن زنى بعد الإحصان، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور: 2].

 

وفي الحديث فرق بين المحصن وغير المحصن؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللّٰـهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، أَلَا! وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ إِذَا قَامَت الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَملُ، أَو الِاعْتِرَافُ، قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ، أَلَا! وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ(3)

وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجهني رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: سمعت النبيّ ﷺ: يأمر فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ: جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ(4)

 

وعَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ رَجُلٌ مِن النَّاسِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللّٰـهِ إِنِّي زَنَيْتُ ــ يُرِيدُ نَفْسَهُ ــ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰـهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللّٰـهِ، فَقَالَ: أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ، حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ(5)

 هكذا أحاط الله الأعراض بهذه الأحكام الدقيقة، والعقوبات الحازمة، والحدود الصارمة، حفظاً لها من أن ينالها أحد بسوء، ومنعًا من استشراء الفساد والشر في المجتمعات الإسلامية، وحماية للإنسان من الاختلاط والضياع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب: من لم يستطع الباءة فليصم، برقم: (5066)، ص:907.

(2) سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، برقم: (2050«أ»)، ص: 297.

(3) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: الاعتراف بالزنا، برقم: (6829)، ص: 1176 .

(4) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: البكران يجلدان وينفيان، برقم: (6831)، ص:1178.

(5) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: سؤال الإمام المقر: هل أحصنت؟، برقم: (6825).