بحث عن بحث

من جوامع الكلم

عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله تملآن – أو تملأ – ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها».

©  المباحث اللغوية:

الطهور: بضم الطاء وهو فعل الطهارة وهي رفع الحدث وإزالة النجاسة بالوضوء أو الغسل، وغسل الثوب والبدن من النجاسة. وأصل الطهارة: النظافة والنزاهة.

شطر الإيمان: الشطر هو النصف.

الحمد لله: الثناء الحسن على الله تعالى لما أعطى وهدى.

الميزان: الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة.

سبحان الله: تنزيه الله من النقائص والعيوب.

الصلاة نور: النور الضياء الذي ينير للعبد طريقه المستقيم.

برهان: دليلٌ على صدق الإيمان.

حجة: برهان ودليل.

يغدو: يذهب أول النهار.

بائع نفسه: أي لله سبحانه وتعالى وذلك بطاعته وعبادته.

فمعتقها: مخلصها من الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

موبقها: مهلكها بارتكاب المعاصي ثم ما يترتب على ذلك من العذاب يوم القيامة.

©  توجيهات الحديث:

1-    هذا الحديث عظيم بيّن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم  بعض خصال الخير وشيئًا من الثواب المترتب عليها، فهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم .

2-    الإسلام دين الطهر والنزاهة، ولا أدل على ذلك من أن الطهارة شرط لصحة العبادة، فلا تقبل صلاة بغير طهور، بل قد فصل نوعية هذه الطهارة، إن كان التطهر من حدث أصغر فيكون بالوضوء، وإن كان من حدث أكبر فيكون بالغسل.

كما تشمل التطهر من النجاسات الواقعة على البدن والثياب بإزالتها.

3-    للطهارة فضل عظيم حيث جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم  نصف الإيمان، والله جل وعلا يحب المتطهرين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222].

وقال صلى الله عليه وسلم : «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليها بقلبه ووجه إلا وجبت له الجنة».

4-    كما يحرص الإسلام على طهارة الظاهر فهو يحرص على طهارة الباطن أيضًا، فيجب على المسلم أن يطهر قلبه من الأدران والأوساخ من الغل والحقد والحسد والأغراض الدنيوية ونحوها.

5-    من أفضل الأعمال، وأثقلها في الميزان، وأجلها إلى الله تعالى، وأزكاها عند المولى ﻷ ذكر الله سبحانه وتعالى باللسان والقلب والجوارح، فمن أحب الله تعالى فليكثر من ذكره، وليحرص على الأذكار المقيدة بوقت أو مكان أو حال، كأذكار الصباح والمساء وعند دخول المنزل والخروج منه.. وغيرها. أو الأذكار المطلقة كالمذكورة في هذا الحديث.

6-    للذكر فوائد عظيمة، ومنها: اطمئنان القلب قال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]. ومنه طرد الشيطان من المكان الذي يذكر الله فيه، ومنها حصول الأرزاق العاجلة والآجلة قال تعالى عن نوح ÷ في مخاطبته لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴿10 يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿11 وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10 – 12].

7-    العبادات المباشرة مع الله تعالى كالصلاة والزكاة والصيام لها أثر كبير على العبد في الدنيا والآخرة، فهي تقذف في قلب العبد نورًا يستضيء به، وتحجبه عن النار، وتقوده إلى أفعال الخير، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45]، وقال صلى الله عليه وسلم : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، وهي دليلٌ على إيمان العبد واستقامته وطهارته.

8-    من طلب العلا سهر الليالي، ومن ابتغى العليا هان السبيل إليها ومن طلب الجنة استسهل طريقها، ويستعين على الوصول إليها بالصبر والثبات قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: 45].

9-    من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن أنزل على نبها عليه الصلاة والسلام هذا القرآن العظيم، الذي هو منهاج هذه الأمة، ودستورها، وهو الهادي إلى الطريق المستقيم، والمنقذ من المهلكة، والمؤنس في الوحشة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] وهو شفاء ورحمة، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82]. فعلى المسلم أن يواظب على قراءة القرآن وتدبره، وحفظ ما تيسر منه، والعمل به؛ ليتم له ما أعده الله تعالى لقرائه والمتعاملين معه.

10-   على المسلم أن يشغل وقته بطاعة الله تعالى وذكره، وأن يمضي عمره في ذلك، وليشغل جميع ما منحه الله سبحانه من الوقت والصحة والعافية والغنى، بطاعة مولاه، وما يعود عليه بالفائدة والخير في معاشه ومعاده.

11-   نعم المؤمن الذي يبيع نفسه لله تعالى فيعتقها ويخلصها يوم القيامة قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة: 207] فهذه الدنيا فرصة لهذا البيع الرابح، والموفق من فاز في هذا البيع.