بحث عن بحث

مراقبة الله

عن أبي العباس عبد الله بن عباس م قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم  يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».

©  أهمية الحديث:

قال الحافظ ابن رجب :: «وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفًا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه».

©  المباحث اللغوية:

خلف النبي صلى الله عليه وسلم : أي راكبًا خلفه على دابته.

يا غلام: هو الصبي ما لم يبلغ عشر سنين.

كلمات: أي نصائح في كلمات.

احفظ الله: أي حدوده فالتزم أوامره واجتنب نواهيه.

يحفظك: في الدنيا من غوائلها وفي الآخرة من عذاب الله.

تجاهك: أماك.

سألت: طلبت.

استعنت: طلبت العون.

رفعت الأقلام وجفت الصحف: أي قدرت المقادير وسجلت في اللوح المحفوظ.

©  توجيهات الحديث:

1-    دلَّ الحديث على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم  بأمته وتنشئتها على العقيدة السليمة، والأخلاق الفاضلة، فهو هنا علّم هذا الصبي كلمات قليلة الألفاظ كبيرة المعنى.

2-    مما احتوته هذه الوصية، الوصية بحفظ الله تعالى وذلك بحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك يكون بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه. قال تعالى: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴿32 مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق: 32 – 33].

3-    مما ورد الأمر بحفظه خاصة أمور منها: الصلاة، قال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238]. والطهارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». ومنها الأيمان قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: 89].

4-    من حفظ الله تعالى حفظه الله تعالى في الدنيا والآخرة:

أ- يحفظه في الدنيا في بدنه وولده وأهله قال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: 11]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه.

ويحفظه سبحانه في صغره وشبابه وحال قوته وضعفه، وحال صحته ومرضه.

ب- ويحفظه في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة.

ج- ويحفظه في القبر وما بعد القبر من الهول والشدائد فيظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

5-    ومن حفظ الله تعالى لعبده أن يرزقه الطمأنينة والاستقرار النفسي، ويكون في معية الله الخاصة، قال تعالى عن موسى وهارون عليهما السلام: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر رضي الله عنه  أثناء الهجرة وهما في الغار: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا».

6-    على المسلم أن يكون عارفًا بالله سبحانه، مطيعًا له، مرتبطًا به جل وعلا في جميع أحواله، فإنه من عرف الله تعالى في رخائه عرفه الله في حال شدته وحاجته إليه وافتقاره له.

7-    قد يغتر الإنسان حال القوة والنشاط والشباب والصحة والغنى فإنه من كانت هذه حاله، فسيؤول إلى خيبة وخسارة وهلاك.

8-    على المسلم أن يحرص على كثرة الاستعانة بالله تعالى وسؤاله في جميع أحواله وظروفه، وأن يتجنب سؤال غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى من الأولياء والصالحين الأموات وغيرهم قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].

9-    أن مما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا قال سبحانه: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51].

10-   إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر ونفع أو ضر، وأن اجتهاده الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد ألبتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع، أوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﻷ وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده.

11-   الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ولا يعني هذا الإيمان الاستسلام للشبهات والشهوات والخوض في الانحراف والضلالات، فإن الذي أمرنا أن نؤمن بهذا أمرنا أن نعمل وأن نجد ونجتهد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له».

12-   على المسلم أن يقابل ما يصيبه من أقدار الله المؤلمة بالرضا والصبر لينال أجر ذلك وثوابه قال تعالى:﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10]. وقال صلى الله عليه وسلم : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره له كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له».

13-   على المسلم أن لا يصيبه اليأس والقنوط عند حصول مشكلة من المشاكل أو مصيبة تحل به، وعليه أن يصبر ويحتسب، ويأمل بالفرج، فإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرًا.