بحث عن بحث

منهجية التدرج في الدعوة:

إن مراعاة سنة التدرج في الدعوة الإسلامية ينبغي أن تنظم في خطة مدروسة تشتمل على محورين لابد منهما:

المحور الأول:

هو التدرج بتقديم ما هو أصل على ما هو فرع، فيبدأ بتقديم ما هو أصل على ما هو فرع، إذ يبدأ بالأهم، لكي يقنع الناس به، ويحملهم على قبوله، فإذا ما استقر في القلوب، واستجابت له النفوس، انتقل إلى مادون ذلك من أمور تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أنفق ثلاث عشرة سنة من عمره في معالجة قضايا العقيدة، وبعض العبادات، لينتقل بعد ذلك إلى معالجة ما هو فرع من السلوك العملي.

وهذا الأمر يتجلى في وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن فقال له: «إنك تأتي قوم أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإن ليس بينها وبين الله حجاب».

لقد أمره أن يبدأ بالقضية الأولى والقضية الكبرى والقضية الأساس في هذا الدين، قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسة: الألوهية وإفراد الله بالعبادة، لقد كان يخاطب بهذه الحقيقة الإنسان، بما أنه إنسان.

إن ما ورد من تدرج في التبليغ، والبداية بالمهم في حديث معاذ رضي الله عنه ، ليس إرشادًا نبويًا، بل تدبيرًا إلهيًا يتجاوز الحالة الخاصة في تحويل أهل الجاهلية من واقع جاهليتهم الباطلة إلى الحياة الإسلامية، وكل واقع بعيد عن الإسلام .

إن انفكاك القرون عما ألفت، وانتقالها إلى طور جديد من الوعي والسداد، لن يتم دفعه دفعة واحد، ولن يكون بأمر مباشر يصدر لها في معظم الأحيان، فلابد أن يسبق الانتقال مرحلة إعداد ينشأ عنها العزم على ذلك الانتقال.

ويتجلى ذلك من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أنه لما قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم أول ما دعاهم إلى التوحيد، فأعلنوا إسلامهم ثم اشترطوا عليه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وأبى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها، وسألوه مع ذلك ألا يصلوا، وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: أما كسر أصنامكم بيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة، ولا يستعمل عليهم غيرهم، فأجابهم إلى ذلك.

فعن وهب قال: سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت، فقال: اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا.

ولقد كان نتيجة ذلك إسلام القوم، وتهديم اللات، واندحار الشرك والوثنية من ديارهم.

إن تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم من خلال بدايته بالعقيدة أولًا، وموافقته لهم على الإعفاء من الصدقة والجهاد قد تحقق به وعد الله الذي جاء على لسان رسول صلى الله عليه وسلم حين قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «إنهم سيتصدقون ويجاهدون».

فقد أسلمت ثقيف فيما بعد، وجاهدت في الله حق جهاده، واعتصمت بإسلامها، ولاذت بإيمانها يوم طغى سيل الردة.

يقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه : «لقد دخلوا في الإسلام فلا أعلم قوما من العرب  بني أب وقبيلة،كانوا أصح أسلاما ،ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه منهم».

المحور الثاني:

التدرج في إبدال الصورة بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى، إن حركة الإسلام في إصلاح نفوس البشر تعتصم بالأنموذج الكلي، وتصر على أن الدين لابد أن يؤخذ جملة واحدة، إلا أنه لبلوغ الكل لابد من البدء بالجزء، فهي لا تؤمن ببعض، وتكفر ببعض، بل تؤمن بالإسلام كله، ولكنها تحاول أن تطبق ما تيسر منه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم».

إنه لمن الصعب على بعض الناس أن ينخلع عن فكره، وواقعه، وعاداته، خلال طرفة عين، لذلك لابد للدعاة أن يقدروا ذلك فلا يحاولوا نقلهم من واقعهم ذلك إلى المثالية السامقة دفعة واحدة.

وقد ... شيخ الإسلام ابن تيمية : ذلك بأدلة وبراهين بالنزول عن المثالية السامقة إلى واقع دونها والرضا به، والسكوت عنه، إذا كان في الخروج على هذا الواقع ضرر، إلا أنه لم يغفل بجانب ذلك السعي في التدرج في إصلاح الأحوال، حتى يكمل الناس ما لابد لهم منه، كما يجب على المعسر، السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال، لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه.

إن ذلك الأمر هو ما تنبه له الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز : الذي كان يرى التدرج في نقل الناس من واقعهم إلى المثال المنشود، ومما يروى عنه في ذلك:

1-  حكى أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز : قال يومًا لأبيه عمر:  ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. قال عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الفاس على الحق جملة فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.

2- وروى أن ابنه دخل عليه فقال يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدا إذا سالك فقال رأيت بدعة لم تمتها أو سنة فلم تحييها؟.

فقال أبوه: رحمك الله وجزاءك من ولد خيرًا يا بني، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا على فتقًا يكثر في الدماء، والله لزوال الدنيا أهون على من يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيها سنة.

وروى البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة ك تسر كثيرا فما حدثتك في الكعبة، قلت قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم قال ابن الزبير بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون ففعله ابن الزبير.

فقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وجه الحق الذي يجب أن يكون، لكنه لم يغفل الواقع القائم، وقد يترتب على التحقيق الفعلي، لما يجب أن يكون عليه الأمر في النهاية، ضرر يصيب المسلمين، فاكتفى بإثبات الحق قولًا، وإرجاء تحقيقه عملًا، مراعاة للواقع.

إن قريشًا كانت تعظم الكعبة جدًا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك.

ويستفاد منه: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا.

ويؤيد ذلك ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟».

وما قال ابن مسعود قال: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة».

وقال الإمام الشافعي: «لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه».

الحال الذي عليه حتى يخاطب القلوب فتتأثر بما يقول، وتترجم الجوارح هذا القول عملًا خالصًا، وهذا من نتائج حسن التدرج.

إن بعض الدعاة يريدون للمرضى أن يشربوا الدواء دفعة واحدة لا كما حدده الطبيب تدرجًا، ولو فعل المرضى ذلك لهلكوا، ولكن الحكمة تقتضي التدرج في الدواء حتى يكون الشفاء بإذن الله.

إن مبدأ التدرج مبدأ أساسي في دعوة الناس لدين الله حتى يفهموه على قدر عقولهم، ويقبلوا عليه بقلوبهم، فضع أخي الداعية هذا المبدأ نصب عينيك وأنت تدعو الناس إلى دين الله.

إننا نرى اليوم بعض الإخوة المخلصين لا يلتفت إلى هذا المبدأ، وكل ما يهمه أن يصحح عقائد الناس بطريقة ينفر منها أكثر الناس، وتراهم يخاطبون الناس جميعًا لا فرق عندهم، بين عالم وجاهل، أو أمي ومتعلم، أو حضري وبدوي، الكل عندهم سواء في الخطاب، ويناقشون معهم مسائل لو عرضت على أئمة كبار لتحرج أن يتكلم فيها.

إن التغيير المفاجئ يحدث في الجسم الحي اضطرابًا، قد تكون له آثار سيئة على صحة الجسم.

على أن هذا التدرج لا ينبغي أن يكون متروكًا للصدفة – سواء أكان على مستوى الفرد أو المجتمع – بل ينبغي أن ينتظم في خطة مدروسة بالنسبة إلى الدعوة الفردية من الداعي أو في خطة مدروسة على مستوى المجتمع وهذا من أكبر مهمات الفكر الواقعي الذي يتعامل مع واقع المجتمع ليأخذ بيده إلى الكمال الإنساني.