بحث عن بحث

مبشرات القرآن بالتمكين لهذا الدين:

المتدبر للقرآن الكريم يجده حافلًا بالآيات الكريمة التي تعد الأمة المسلمة بالتمكين والغلبة والعلو، ويجد ذلك الوعد مؤكدًا في صور كثيرة ولقد كانت آية واحدة كافية لإقرار هذه الحقيقة؛ ولكن الله تعالى بحكمته أراد أن يملأ قلوب المؤمنين بالثقة والأمل حتى لا يقطع بهم اليأس في محنة من المحن وفي مرحلة من مراحل الاستضعاف، من هذه الآيات:

1- قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿32 هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ  [التوبة: 32 -33].

قال الشيخ السعدي: ونور الله: دينه الذي أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه اللّه نورا، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل والأديان الباطلة، فإنه علم بالحق، وعمل بالحق، وما عداه فإنه بضده، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهوه من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلا.

﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ  لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله جميع نواصي العباد بيده، وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء، ولهذا قال: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئا.

ثم بين تعالى هذا النور الذي قد تكفل بإتمامه وحفظه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ الذي هو العلم النافع ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي هو العمل الصالح فكان ما بعث اللّه به محمدا صلى الله عليه وسلم مشتملا على بيان الحق من الباطل في أسماء اللّه وأوصافه وأفعاله، وفي أحكامه وأخباره، والأمر بكل مصلحة نافعة للقلوب، والأرواح والأبدان من إخلاص الدين للّه وحده، ومحبة اللّه وعبادته، والأمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والأعمال الصالحة والآداب النافعة، والنهي عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة المضرة للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة.

فأرسله الله بالهدى ودين الحق ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أي: ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وإن كره المشركون ذلك، وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، فوعد اللّه لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لا بد أن يقوم به.

معنى الآية: ليظهرن دين الإسلام على الأديان كلها، وهو ألا يعبد الله إلا به، وكذا روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (هذا وعدٌ من الله، بأنّه ـ تعالى ـ يجعل الإسلام عاليًا على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى).

وكذلك قال الضحاك والسدي: لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام.

2-وقال تعالى: âوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  [النور : 55].

قال ابن كثير: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس، والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، وحكما، فيهم وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة : فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة.

ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم شعث ما وهى بعد موته صلى الله عليه وسلم وأخذ جزيرة العرب، ومهدها، وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه ومن أتبعه من الأمراء إلى أرض الشام وثالثا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل واختار له ما عنده من الكرامة، ومن على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله؛ عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة، ثم امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها؛ ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص؛ وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين؛ وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية؛ وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا؛ وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان ابن عفان رضي الله عنه وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها...». فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله فنسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا.

وهذا الوعد الإلهي للمؤمنين وعد دائم ومستمر، وما تحقق في عهد الخلفاء الراشدين من نصر وتمكين، يمكن أن يتحقق لمن بعدهم، فإن وعد الله تعالى لا يتخلف، قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [الكهف: 98].

ووعد الله هنا مشروط بالإيمان وعمل الصالحات وعبادة اله وحده، وعد الإشراك به قال تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

3- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿171 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ  [الصافات : 171 – 173].

ولعل المبشرات في هذا الآية غاية في الوضوح إذ جاءت المؤكدات على نصرة الله تعالى لعباده المرسلين، ومن انتهج نهجهم وسار على طريقتهم، واقتفى سننهم، مهما كانت الأحوال والظروف، ومهما اختلفت الأساليب والطرق، ومهما تعددت العوائق والعقبات فالنصر قائم، والنتيجة حتمية لكن صورتها تختلف من زمان إلى آخر ومن واقع إلى آخر، ومن فرد إلى آخر، وإن طال الزمن.

والمهم: العمل بنهج المرسلين لتحقق الغلبة ويكون النصر.