بحث عن بحث

ما لا يسوغ الخلاف فيه من مقررات الشريعة:

أما ما لا يسوغ الخلاف ولا يجوز لأحد أن يخرج رأيًا أخر فقد ضبطه أهل العلم بمجموعة ضوابط منها :-

1- ما كان معلومًا من الدين بالضرورة وجوبًا أو تحريمًا، وذلك مثل وجوب الصلاة و الزكاة و الصيام وبر الوالدين و الأمر بالعدل وغيرها من الواجبات وفي المقابل تحريم السرقة و القتل و الاعتداء وشرب الخمر والزنا وغيرها من المحرمات .

2- ما انعقد عليه الإجماع ولم يخالف فيه أحد من أهل العلم  ومن هنا ارتفعت مكانة الإجماع إلى أن يصبح مصدرًا من مصادر التشريع وقد حصر أهل العلم كثيرًا من الإجماعات في الكتب.

3- ما كان الخلاف فيه شاذًا أو غير معتبر مما نص عليه أهل العلم، فمن المعلوم أن بعض المسائل قد يخالف عالم لم يبلغه دليل أو حكاية إجماع، أو يفهم فهمًا آخر لدليل آخر أو غير ذلك من الأسباب فهذا الخلاف يسميه أهل العلم خلافًا شاذًا أو خلافًا غير معتبر فمثل هذا لا يعتد به.

4- ومن بدهي الضوابط وأذكرها للتأكيد وهي أصول الدين كأركان الإيمان بالله  ومن هنا نقرأ ونسمع ما يردد من أن الثوابت لا يختلف عيها ولا يجوز الخلاف فيها وكلمة: «الثوابت» مصطلح حادث لم يعرف في كتب الخلاف وإن كانت في ظاهرها اللغوي تدل على ما هو أعم من «أصول الدين» لتشمل كل ما ثبت في الشرع أو لا يتغير بتغير الأحوال أو الأزمان أو الأماكن، وقد يقال: لا مشاحة في الاصطلاح وأقول: نعم إذا تبين المصطلح ومدلوله، والمقصود وضوح المصطلح ودلالته.

وبناءً على هذه الضوابط ندرك أن كثيرًا من المسائل التي تطرح –كتابة وإلقاء- لا تقبل الخلاف إذا أن حكمها قد استقر سواء كان في أصول الدين أو فروعه.

فلو أخذت مراتب الدين المبنية على حديث جبريل عليه السلام في سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن: الإسلام والإيمان والإحسان والساعة لوجدت أن ما لا يجوز فيه الخلاف أكثر مما يسوغ فيه الخلاف فأركان الإسلام وأركان الإيمان وأركان الإحسان وقيام الساعة وعلاماتها لا يسوغ فيها الخلاف وقل مثل ذلك فيما هو أكثر تفصيلًا في داخل كل ركن من الأركان.

والخلاصة: أن من الخير للمسلم أن يدرك أن مساحة ما لا يسوغ الخلاف فيه مساحته كبيرة جدًا، وهذا يدل على ثبات هذا الدين ورسوخه وعظمه ويسره.

أما ما يجوز فيه الخلاف فهو ما كان غير ذلك مثل فروع الدين التي لا تنطبق عليها تلك الضوابط وهي –ولله الحمد- موجودة مستقرة فيما بين أيدينا من المصادر.

وقد أبحر فيها أهل العلم واختلفوا ورائدهم في ذلك: الإخلاص والظن الحسن والعلم والدليل وجاءت كتب الفقه وشروح الحديث والتفاسير مليئة بذلك.

وهذا الذي تحدث عند بعض أهل العلم في كتب الخلاف وبينوا أصوله وضوابطه و آدابه.

ثانيًا: الخلاف المقبول، وهو:

هو الخلاف الذي يستهدف إيضاح وجه الحق، أو دفع شبهة باطل، أو الوصول إلى إقامة الحجة رغبة في الوصول بالخصم إلى محبة الخير والرشد وهو أمر محمود ولا شك، وصاحبه مطالب به ومأجور عليه.

ولكنه في نفس الوقت محدود بحدود وضوابط دقيقة، تقوم عليها منهجية الدعوة ويلتزمها الدعاة، وهي كما يقول الله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، وكقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

وليس أبلغ في ذلك من قوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿43 فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43 – 44].

وهذا النوع من الاختلاف الذي يستهدف الاتفاق، والتعارض الذي ينشد المودة والحب، والجدل الذي يرغب في الهداية، أمر لا بد من وجوده في كل جماعة خيرة تنشد الحق والعدل، وتطلب السعادة والخير، وترغب في التسامي والقربى.. وما انعدم في أمة إلا عوقبت وخسرت كل عوامل النهوض والبقاء.

قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿1 إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر : 1-3].