بحث عن بحث

العمل بمقتضى العلم مطلب أساس في الداعية:

إذا كانت تعاليم الإسلام تؤكد على أهمية العلم وضرورة العناية بتحصيله –كما سبق بيانه- فإنها تنظر إلى العلم على أنه وسيلة لا غاية، فهو وسيلة إلى تصحيح المعتقد، وتزكية النفس، وصحة الأعمال، وتهذيب الأخلاق، وتقويم السلوك.

قال بعض الحكماء: «العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلًا به أحب إليَّ من أدعه زهدًا فيه».

يشير بهذه الجملة الأخيرة إلى أن الجاهل قد يعذر بجهله، أما العالم بالحق التارك له فإنه لا يعذر، بل تتضاعف عقوبته، إذ ليس من علم كمن جهل.

ومن ثم كان على العالم والداعية أن يعمل بموجب ما يعلم، فعلمه بالعبادات يقتضي أن يؤديها على وجهها، مستوفية شروطها وأركانها، خالصة لوجه الله تعالى.

والعلم بالمعاملات يقتضي أن يقوم بها في حدود الحلال، بعيدة عن الحرام مستكملة الشروط والأركان، والعلم بالأخلاق يقتضي أن يتحلى بفضائلها ويتخلى عن رذائلها.

والعلم بطريق الآخرة يقتضي أن يعد لها عدتها، ويسعى لها سعيها، ويحذر من قواطع الطريق التي تعمل على أن تثبط إرادته، وتعوق حركته.

وبهذا يكون العلم حجة له، لا حجة عليه، ويستطيع أن يجد للسؤال جوابًا إذا سئل يوم القيامة: «عن علمه: ماذا عمل فيه؟».

عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيم أفناه؟ وعن علمه: فيم عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه: فيم أبلاه؟»، ولا يكون كذلك العالم الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها، وأخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فضرب الله مثلًا بالكلب في أسوأ صورة له: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: 175 – 176].

وإنما ينتصر أهل الدين، ويعز المسلمون، وترتقي الدنيا، بالعلماء العاملين الذين يؤيد عملهم علمهم، وتصدق أفعالهم أقوالهم، فهم يؤثرون في الناس بسلوكهم وحالهم أكثر مما يؤثرون بكلامهم، ولهذا قيل: حال رجل في ألف رجل، أبلغ من مقال ألف رجل في رجل!.

وإن من شر ما تبتلى به الحياة، ويبتلى به الناس: العالم الذي يناقض عمله علمه، ويكذب فعله قوله، فهو فتنة لعباد الله، وهو الذي حذر القرآن منه أهل الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿2 كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف : 2-3].

إن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بمن علمت بأنه يقول ولا يعمل، أو يعلم ثم لا يعمل، ولهذا قال شعيب عليه السلام: ﴿ قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]… ومتى يكون المرء قدوة صالحة وأسوة حسنة ما لم يسابق إلى فعل ما يأمر به من خير، وترك ما ينهى عنه من سوء؟!.

وقد جاء في الصحيح عن أسامة بن زيد ك أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقطابه في النار، فيدور بها كا يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه».

إن من واجبات الداعية أن يتابع نفسه بما يصلحها ويزكيها، وألا يتساهل أو يلين في مراقبتها ومحاسبتها، لأن النفس أمّارة بالسوء، ومداخل الشيطان إليها أكثر من أن تحصي.

إن استشعار الداعية لمسؤولية إصلاحه لنفسه أمر عظيم، فكيف سيأمر الناس بأمر وهو بعيد عن تطبيقه؟! وكيف سينهاهم عن فعل أمر وهو واقع فيه؟! فإنه لا محالة سيقع في التناقض.

قال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة : 44].

إن الناس ترقب أحوال الداعية، ويرتقبون بأعينهم سلوكه، ويكون انتفاعهم من علمه بقدر ما ينتفع به لنفسه.

قال محمود بن الحسن بن الوراق:

 إذا أنت لم ينفعك علمك لم تجد
 وإن زانك العلم الذي قد حملته

  لعلمك مخلوقًا من الناس يقبله
وجدت له من يجتبيه ويحمله

ولا يقتصر ضرر المرء -حينئذ- على قلة الانتفاع بعلمه، بل إن الناس ترى في سلوكه مشجعًا على اقتراف الآثام، وارتكب الخطايا، باعتبار أن القدوة لهم قد حاد عن الطريق المستقيم، فهم -لهذا- أعجز عن الالتزام به.

يقول الإمام ابن القيم: «علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعون إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له، فهو في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق».

العبادة: العبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية :: «هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة...، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة».

بهذا المفهوم الواسع للعبادة، فإن هناك رابطًا واضح بين العبادة والعمل، ولا يمكن الفصل بينهما، وقد أشار الله تعالى إلى هذه العلاقة في كتابه المبين في مواطن كثيرة، بل لا تخلو سورة إلا وفيها إشارات ومعان تربط بين العبادة والعمل:

- مطلب العلم عمل وعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1].

- وقيام الليل عمل وعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿1 قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿2 نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل : 1-4].

- والصلاة عبادة وعمل، لقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78].

- وقراءة القرآن عبادة وعمل: ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4].

وهكذا سائر الفروض والنوافل وأعمال الخير والإحسان، كلها أعمال تعبدية لله تعالى.

وقد أمر الله تعالى عباده بهذا بهذه العبادة بهذا المفهوم الواسع والكبير، فقال: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر : 99].

كما حدد جل وعلا رسالة الإنسان على الأرض في العبودية له جل وعلا، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات : 56].

ومن هنا فإنه من الخير للداعية أن تكون العبادة ديدنه في الحياة، وأن يجعل كل عمل يقوم به خالصًا لله تعالى وتعبدًا له وتقربًا إليه، وأن ينتظم بهذه العبادة بخشوع ورغب ورهب، كالحرص على الفروض في أوقاتها، وكذلك المحافظة على النوافل والتطوع، مثل السنن وقيام الليل وقراءة القرآن وجميع أنواع الذكر المختلفة.