بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، أحمده سبحانه وأشكره على فضله وإنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى والرسول المجتبى، صلى الله وسلم  عليه وعلى آله وأصحابه أولي الألباب والنهي، والتابعين ومن تبعهم وعلى منهجهم سار واهتدى أما بعد :

أيها المسلمون! اشتملت هذه القصة العظيمة على فوائد عظيمة من أهمها:

1-     الاستعانة بالله تعالى: واللجوء إليه والفرار إليه فهي من أقوى الأسباب التي تنال بها العفة، يقول الله تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ولكن الله يزكي من يشاء) [النور: 21] من الذي يحفظك من الفتن؟ من الذي يحفظك من الزنا؟ من الذي يعينك على غض البصر؟ ومن الذي يحفظ لك بصرك وسمعك وجوارحك؟ إنه الله رب العالمين، ولذلك فلا يغتر الإنسان بوضعه وقوته، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فهذا يوسف لما طلبت منه امرأة العزيز، همتْ به وهمَّ بها، التجأ إلى ربه (قال معاذ الله..) مع أنني نبي كريم ، وولي من أولياء الله المعصومين!

2-     ومن الفوائد عدم الاغترار بالنفس والركون إليها: إذ ينبغي على الإنسان ألا يعتمد على الثقة الزائدة بالنفس والاغترار بها، فلما جاءت النسوة إلى امرأة العزيز ولمنها على فعلتها قالت : (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن وليكونن من الصاغرين) [يوسف: 32] فماذا فعل يوسف في هذا الموقف؟ إنه التجأ إلى ربه فقال: (رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه) أي أن أسجن وأحبس وتقيد حريتي أحب إلي من أن أقع في الفحشاء) (وإلاَّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) [يوسف: 33] أي إذا لم تصرف عني يا رب هذا الكيد سأصغي إليهن وتذهب قوتي، وستخور عزيمتي، وسأستمع إلى ما تقول، فأسألك ربي أن تصرف عني كيدهن، فماذا كان الجواب؟ (فاستجاب له ربه) [يوسف: 34] وهكذا المسلم إذا ألمَّت به فتنة، أو عصفت به محنة أن يلجأ إلى الله عز وجل، فلا ينبغي أن يخوض في الفتن بغير استعانة بالله وتوكل عليه.

3-     ومن الفوائد عدم الدخول على النساء : إن التساهل في دخول الرجال على النساء في البيوت من أكثر أسباب وقوع الكثير من الحوادث التي تسببت في انتهاك الأعراض، يقول ابن كثير رحمه الله : كان زوجها أي العزيز ليِّن العريكة، وكان سهلاً، أو أنه عذرها لما رأت أنها لا صبر له عنها، لذلك تجرأت المرأة على أن تطلب هذا الطلب علانية بين النساء. فليتق الله سبحانه الذي يُركب ابنته مع السائق، فيوصلها إلى الجامعة أو المدرسة، وليتق الله من يُركِب أهله لوحدهم مع السائق للسوق ونحوه، أين الغيرة والحفاظ على الحرمات؟ وكذلك لا ينبغي للرجل أن يترك خادمه يباشر النساء أو أن يدخل عليهن، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء) قال رجل يا رسول الله؟ أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت ، والحمو هو قريب الزوج.

4-     ومنها الصحبة السيئة: في هذه القصة دليل على أن الصحبة السيئة مدعاة للوقوع في الفواحش، ألا ترون أن امرأة العزيز لما انتشرت هذه الفضيحة بين النساء! ماذا فعلت النساء اللائي كن حولها؟ شجعنها على ذلك، وذهبن إلى يوسف يطلبن منه أن يرضخ لكلامها، فقال يوسف عليه السلام:(إلاَّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) [يوســــف: 33]

ـــــــــــــــــ

أخرجه البخاري برقم (5112) في النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. ومسلم برقم (5628) في كتاب السلام، باب التحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها. والحديث متفق عليه. وأخرجه أحمد في المسند برقم (17020) من حديث عقبة بن عامر.

وقال يوسف: (ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) [يوسف: 50] أي في اشتراكهن في هذه الجريمة.

5-     ومن الفوائد خطر الإشاعات: فلولا الإشاعات لما علمت النسوة بأمر امرأة العزيز: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تُراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنَّا لنراها في ضلال مبين) [يوسف :30] ووصل الخبر إلى نسوة في المدينة فتحدثن به، وقلن منكرات على امرأة العزيز: امرأة العزيز تُراود فتاها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، وقد بلغ حبها شغاف قلبها، إنَّا نراها في هذا العقل لفي ضلال واضح.

   بدأ هذا الموضوع ينتشر.. خرج من القصر.. ووجدت فيه نساء هذه الطبقة مادة شهية للحديث.

أيها المسلمون! إن من أعظم الآداب في هذا الباب: الكف عن الإشاعات الفاحشة في المؤمنين ومحبة ذلك، والرغبة فيه عياذاً بالله، إنه إذا انتشر بين الأمة الحديث عن الفواحش ووقوعها، فإن الخواطر تتذكرها ويخف على الأسماع وقعها، ومن ثم يدب إلى النفوس التهاون بوقوعها، ولا تلبث النفوس الضعيفة والمريضة أن تقدم على اقترافها، ولا تزال تتكرر حتى تصير متداولة، كما تفعله بعض الفضائيات اليوم بما هو واضح للعيان، والعياذ بالله (إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) [النور: 19] .

   فاتقوا الله، أيها المسلمون! واستمسكوا بدينكم والزموا آدابه وحدوده، عبوديةً خالصةً، وسلوكاً لمسالك الطهر، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، كما أمركم الله جل وعلا بقوله : (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).