بحث عن بحث

الخطبة الثانية

    الحمد لله العليم الحليم، أحمده سبحانه وأشكره فهو الغفور الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد :

أيها المسلمون! ونحن الآن في مجلس الملك، وقد رأى رؤيا أهمته، فهو يطلب تأويلها من رجال الحاشية ومن الكهنة والمتصلين بالغيبيات (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون) [يوسف: 43] لقد رأى الملك (ملك مصر) رؤيا هامة، اضطرب لها، وتوقع أن الخطر سوف يصيبه أو يصيب البلد، لقد رأى سبع بقرات سمان، فهجمت عليها سبعُ بقرات عجاف- هزال ضعيفة- فأكلتها والتهمتها، وهذا منظر مزعج، ثم رأى سبع سنبلات خضر يانعة ومعها سبع سنبلات يابسات، فتوجه الملك إلى حاشيته بما فيهم الكهنة والمنجمون والمسؤولون ، وقال لهم: ( يا أيُّها الملأ أفتوني في رؤياي إنْ كنتم للرؤيا تعبرون) [يوسف: 43] فلم يقدر الملأ ورجال الحاشية على تأويل رؤيا الملك الخطيرة والعجيبة، فقالوا : (أضغاث أحلام) أي أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل، وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، واعتذار بما ليس يعذر منه، ثم قالوا: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) [يوسف: 44] فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام، والإعجاب بالنفس، وهذا أيضاً من لطف الله سبحانه بيوسف، فإنه لو عبرها ابتداء- قبل أن يعرضها الملك على الملأ- لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم عجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتماً غاية الاهتمام، فلما عبرها يوسف- وقعت حينئذ عندهم موقعاً عظيماً، فما دلالة هذه الرؤيا الواقعية؟ وما تعبيرها؟ وتأويلها؟ وما هي أثرها على يوسف في محنته؟!

  هذا ما سنستمع إليه في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى.

   ثم صلّوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: (إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبي يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً) [الأحزاب: 56].