بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله رب الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه وأشكره نعمه تترى وفضله لا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن بعد تعبد. أما بعد:

   عباد الله! في هذه السورة العظيمة، وقد ختمناها في هذه الخطبة دروس وعبر كثيرة، منها:

1-     أهمية الدعوة إلى الله تعالى المبنية على العقيدة والتوحيد الصحيح لله رب العالمين التي اختطها يوسف عليه السلام (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة وأنا ومن اتبعني...) [يوسف: 108].

2-     وفيها فضيلة التقوى والصبر والإحسان، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثارهما، وأن عاقبة أهلهما آمن العواقب (قد منَّ الله علينا إنَّه من يتَّق ويصبر فإنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف: 90].

3-     ومنها أن الإخلاص لله تعالى أكبر الأسباب الواقية من الشرور (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنَّه من عبادنا المخلصين) [يوسف: 24].

4-     ومنها أهمية التفاؤل في حياة المسلم ، التفاؤل الذي يبعث على الخير والأمل، فيوسف في كل مراحل حياته لم يفارقه التفاؤل، وأن يعقوب في أحلك الظروف لم يفارقه التفاؤل (يا بني اذهبوا وتحسّسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله..) [يوسف: 87] وهكذا يجب أن يرسمه المسلم في جميع خطوات حياته كي لا يقعده اليأس عن العمل والإنتاج.

5-     ومنها عدم الانهزام أو التنازل واستعجال النتائج واليأس، فيوسف ووالده لم يصبهم الاستعجال ولا اليأس ولا التنازل، وهذه الثلاثة إذا دخلت على الفرد أو الأمة أهلكتها.

6-     ومنها ضرورة العدل بين الأولاد وعدم تفضيل بعضهم على بعض بلا حق، فهو عامل من عوامل صلاح الأولاد وبرهم بأبيهم. ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه سعوا في أمر وخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه.

7-     ومنها أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فلما ترك يوسف الحرام عندما عُرض عليه، بل ووقف في وجهه وقفة قوية، عوضه الله بملك عظيم وعاقبة حميدة.

8-     ومن الدروس أيضاً أنه ينبغي للعبد أن يبتعد عن أسباب الفتن، ويهرب منها عند وقوعها، كما فعل يوسف حين راودته امرأة العزيز.

9-     وينبغي للعبد أن يلتجىء إلى الله عند خوف الوقوع في الفتن والمعاصي والذنوب، مع الصبر والاجتهاد في البعد عنها (وإلاَّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) [يوسف: 33].

10-       وأن المسلم ينبغي له أن يقطع رجاءه عن المخلوقين ويعلق رجاءه وخوفه وشكواه إلى الله (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) [يوسف: 86].

11-      وليعلم المسلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكـرب، وأن مع العسر يسراً ، (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) [يوسف: 110]ولذا لما اشتد الكرب بيعقوب قال:(ولا تيأسوا من روح الله).

12-       ومنها الابتلاء سنة من سنن الله تعالى، فكلما زاد إيمان العبد زاد بلاؤه، والأنبياء أشد الناس بلاءً.

13-       ومنها أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائماً في تثبيت إيمانه ويعمل الأسباب لذلك: يسأل الله حسن الخاتمة وتمام النعمة، ويتوسل بنعمه الحاصلة إلى ربه أن يتمها عليه ويحسن له العاقبة كما قال يوسف: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) [يوسف:

14-       ومن أعظم الدروس فضيلة العفو بعد المقدرة، فعلى المسلم أن يكون سمحاً مع إخوانه عفواً عنهم، لا يؤاخذهم بزلاتهم، ولا يتتبع سقطاتهم، فالعفو خصلة الأنبياء، ولذا منَّ الله تعالى على يوسف بسبب حسن عفوه عن إخوته، وأنه عفى عما مضى، ووعد في المستقبل أن لا يثرب عليهم، ولا يذكر منه شيئاً؛ لأنه يجرحهم ويحزنهم (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) [يوسف: 92].

أيها المسلمون! هذه بعض الدروس التي اشتملت عليها هذه القصة، فإن فيها بيان سبيل نجاة الأمة؛ لتخرج أمتنا من البلاء الذي هي فيه وتحقق النصر، وأن تأخذ من منهج القرآن وتنهل من معينه، وأن تتمسك بالأصول والمنطلقات التي أخذ بها يوسف عليه السلام؛ فحقق هذا النصر العظيم، وما من فرد أو أمة تأخذ بأسباب الانتصار التي أخذ بها يوسف، إلا كانت العاقبة حميدة، وتحقق الانتصار العظيم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21].

   فاعملوا عباد الله بهذه الدروس العظيمة لتنالوا أجرها وعاقبتها في الدنيا والآخرة، ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله جل وعلا في كتابه الكريم فقال سبحانه: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).