بحث عن بحث

الخطبة الثانية

  الحمد لله رب العالمين، يعز من يشاء ويذل من يشاء، لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وهو القوي العزيز، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى آله واصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

   أما بعد: عباد الله!

   وتابع الرسول ومن معه المسير حتى دخل مكة، ودخل المسجد الحرام وحوله المهاجرون والأنصار، فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت وهو على الراحلة وفي يده قوس وحول البيت وبه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعن الأصنام التي حول الكعبة بالقوس ويقول: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زهوقاً) [الإسراء: 81] (قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد) [سبأ: 49] والأصنام تتساقط على وجوهها.

   ودخل الكعبة ومعه بلال وصلى فيها ركعتين، ثم وقف على باب الكعبة وقد تكاثر الناس في المسجد وأوجس المشركون خيفة، وكادت تغص حلوقهم بقلوبهم من شدة الخوف، وصارت أبصارهم مشدودة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   ولكن المظلوم المنتصر أبى إلا أن يضرب مثلاً نادراً في العفو فقام خطيباً فقال: "يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكمقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم): " (يوسف : 92) اذهبوا فأنتم الطلقاء".

   ألا ما أجمل العفو عند المقدرة، وما أعظم النفوس التي تسمو على الأحقاد وعلى الانتقام، بل تسمو على أن تقابل السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، والعفو عمَّن؟ عن قوم طالما عذبوه وأصحابه، وهموا بقتله مراراً، وأخرجوه وأتباعه من ديارهم وأهليهم وأموالهم، ولم ينفكوا عن محاربته والكيد له بعد الهجرة.

عباد الله!

   وهكذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاتحين منتصرين فرحين بوعد الله لهم، فلم يقف رسول الله ولا أصحابه عن الجهاد وبذل النفس والمال في الدعوة إلى الله؛ بل كان الفأل شعارهم، والوعد بنصر الله حديثهم، يتخطون بذلك ظروف الزمن الحاضرة، وينظرون بنور الله إلى نصره في الأيام المقبلة.

   إن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لما بُعث في مكة لم يكن طريقه محفوفاً بالورود والرياحين، ولم تُسلم العرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أقرب الناس إليه بل آذوه واتهموه، وأخرجوه وحاربوه، وعاش المؤمنون معه في مكة فترة عصيبة، واستشهد بعضهم تحت وطأة التعذيب، وفرّ بعضهم بدينه تاركاً أهله ووطنه وأمواله، ومع هذا كله كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واثقاً بنصر ربه، متفائلاً بتحقيق وعده، ودونكم حديث البخاري لنتأمل ما فيه من بلاء ومحن، وما يحمله من بشرى وتفاؤل ونهي عن الاستعجال في النتائج.

    يقول خَبَّابُ بنُ الأرتِّ رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليَتِمَنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

   هكذا رسول الله يَعِدُ أصحابه بالنصر والغلبة على الأعداء حتى وإن لم تَلُحْ في الأفق بوادر نصر حينها، لكنه الأمل والثقة بنصره يراها عين اليقين. فإن قلت يا أخا الإسلام : ذلك رسول الله المؤيد بوحيه !! قيل لك: ذلـك حق، ولكنا مكلفون بالاقتداء به (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب: 21].

   وحفظ الله ومعيته، والثقة بنصره، وتمام التوكل عليه ليست خاصة بالمرسلين فحسب (إنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [النحل: 128] ( إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)  [غافر: 51] .

   ثم صلوا وسلموا عليه كما أمركم الله تعالى في محكم التنزيل حيث قال: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي...).