بحث عن بحث

من مقتضيات العقيدة : الشكر

الخطبة الأولى

   الحمد لله على فضله وإحسانه، امتن علينا بنعمه وآلائه، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشكره شكر العارفين، وأشهد أن لا إله إلا الله الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وقدوة الخلق أجمعين، عبد الله حق عبادته، وشكره حتى تشقق جلد قدميه الشريفتين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

   عباد الله! اتقوا الله حق تقواه، فبها تبلغوا درجة الأوابين، وعن طريقها تكونوا من الشاكرين.

أيها المسلمون!

   في تقلب الأيام ومرورها، تتقلب الأحوال، ويعيش المسلم في هذه الحياة بين أفراح وأتراح، وسرور وأحزان، وانقباض وانشراح، ورخاء وشدة، وسعة وضيق، وصحة ومرض، وغنى وفقر، وسعادة وشقاوة.

   وفي مسيرة الإنسان في هذا الزمن، خطوب ومشاق، ومعاناة واشتياق، وفي النفوس نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور أنَّةٌ من جوى.

   والمؤمن في جميع هذه الأحوال، وسائر هذه التقلبات يسير بخطى ثابتة، إلى الله والدار الآخرة، على منهج ثابت، وعقيدة واضحة راسخة، وطريق مستقيم لا تلهيه الصحة، ولا يبطره الغنى، ولا تشغله ملاذ الحياة، وفي الوقت نفسه لا يضيق من بلاء، ولا يسأم من فقر، ولا يكتئب بما قدره الله عليه.

   هذا المنهج القويم، والنظرة الفاحصة، والعقيدة البينة، وضّحه وجلاه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن" .

   كلمات قليلة الألفاظ ، جامعة المعنى، مليئة الدلالة، تملأ حياة المسلم بهجة وسروراً، وتنير له دربه ومسلكه، وتوضح له طريقة، وتجعل قلبه ثابتاً راسخاً مؤمناً بربه، شاكراً لنعمائه، حامداً لفضله، صابراً على ما يقدّر عليه من المصائب.

أيها المسلمون!

   ألا ترون أولئك المتخبطين في ظلمات الحياة وسعتها؟ تضيق أحشاؤهم بخسارة مالية، وتنقبض صدورهم لبلوى تصيبهم، ويعلوهم الاكتئاب لما يعترضهم من أمراض، ويتحسرون على ما فاتهم، ويحسدون غيرهم على تفضل الله تعالى عليهم بنعمه، وقد يصل بهم الأمر إلى التخلص من النفس بالانتحار، وفي الوقت نفسه يبطرون حين ينعم الله عليهم، ويستعملون هذه النعم فيما حرّم الله تعالى عليهم.

أيها المسلمون!

   إن من مقتضيات عقيدة المسلم وإيمانه بربه أن يمشي على المنهج السليم الذي رسمه له، والطريقة التي ارتضاها له، فيشكر الله تعالى على نعمه التي أنعم بها عليه، والتي لا يستطيع حصرها، ولا تَصَوَّرها ابتداء: من خلقه سبحانه وإيجاده في هذه الحياة، وتفضيله على سائر المخلوقات، وتسخير الكون كله لخدمته، وإنعامه عليه بنعمة الهداية والإيمان، والتمسك بالإسلام، وسلوك الطريق المستقيم، وهدايته له، وبعده عن طرائق الانحراف والضلال،

ثم إنعامه عليه بتلك النعم الأخرى، كنعمة الصحة والعافية، والأمن والأمان، والرزق والعيش الرغيد، والقوة والنشاط، والفتوة والشباب، وسلامة الحواس والأعضاء، والعيش بين الأهل والعشيرة، ونعمة السكن والإيواء، والعقل والرشد، نِعَمٌ كثيرة لا يعدها عاد، ولا تحصيها حسابات، ولا تصفها بلاغة متحدث، ولا يتصورها خيال أديب، ولا عقل أريب، قال تعالى : ( وإن تعدوا نعمة لا تحصوها ) [النحل: 18]، وقال سبحانه: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) [الملك: 23] ، وقال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [ النحل: 78].

أيها المسلمون!

   إن موقف المؤمن من هذه النعم الكثيرة التي لا تحصى أن يشكر المنعم المتفضل بها، يشكره بقلبه ولسانه وجوارحه، والله سبحانه وتعالى أمرنا بهذا الشكر، وحثنا عليه، وأثنى على أهله، وجعله سبباً للمزيد من فضله وإحسانه، وحافظاً لنعمه، وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته، وسمّى نفسه سبحانه : (الشكور) قال تعالى: (واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) [النحل: 114] وقال تعالى: (واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: 152] وقال جل من قائل : (واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) [العنكبوت: 17].

أيها المسلمون!

   حقيقة الشكر التي يجب أن يقوم بها العبد الشاكر تقوم على ثلاثة أركان: أحدها: اعتراف العبد بنعم الله تعالى عليه في قرارة قلبه، فيقر بأن هذه النعم كلها من الله سبحانه وتعالى تفضلاً وإحساناً ، ومنة وكرماً، لا بحوله، ولا قوته، ولا بذكائه أو قدرته، ولا بنسبه أو خلته، ولا بمكره أو تخطيطه، أو بعلمه، والثاني: التحدث بهذه النعم ظاهراً بلسانه، فيثنى على الله تعالى، ويكثر من حمده وشكره، ولا ينسب النعم إلى غيره، فإن خالف ذلك تشبه بقارون عندما قال عن أمواله التي رزقه الله إياها : ( إنما أوتيته على علم عندي) [القصص: 78] وذلك عندما نصحه قومه عن البطر والفساد في الأرض، فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض، والأمر الثالث الذي لا يتم شكر العبد لربه إلا به: الاستعانة بهذه النعم كلها على طاعة الله تعالى سبحانه، والحذر من استعمالها في معصيته، فيستغل نعمة الشباب والقوة والصحة بكثرة العبادة، والتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، فتراه قائماً راكعاً ساجداً صائماً، كما يستغلها بطلب العلم والجد فيه، وحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يستغلها في العمل والإنتاج المباح، ويستغل نعمة الأمن والأمان والعيش الرغيد بالمزيد من أفعال الخير والبر، ويستغل نعمة المال بكثرة الإنفاق والتبرع في وجوه الخير المتعددة، وأعمال البر الكثيرة، وأن يحذر العبد من استعمال هذه النعم وغيرها من معصية الله تعالى، كالذي يستعمل ماله بأكل المحرمات، وتناول المسكرات، والتعامل بالربا، والذي يستعمل جوارحه وقوى جسمه في ارتكاب الآثام، كالنظر إلى المحرمات، والزنا، أو الغيبة والنميمة وغيرها، ومن فعل، فقد كفر بنعم الله تعالى، فاتقوا الله، عباد الله ، واشكروه بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم يزدكم نعمة وقوة، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسنة رسوله، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.