بحث عن بحث

أسباب الرزق

الخطبة الأولى

   الحمد لله الرزاق ذي القوة المتين، خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وجعل نسله من نطفة في قرار مكين، وكتب رزقهم في السماء وما يوعدون، ألا له الخلق والأمر.. تبارك الله رب العالمين! أحمده سبحانه وأشكره.

   وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كلٌّ في كتاب مبين!

   وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، خير من عبد ربه حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله!

   اتقوا الله واعبدوه، وابتغوا عنده الرزق واشكروه، واعلموا أنكم ملاقوه.. وإليه ترجعون!

أيها المسلمون!

   إن السعي في طلب الرزق أمر فطري يشترك فيه الناس جميعاً، وهو مشروع في الإسلام، بل عمل صالح لمن كانت له فيه نية خالصة لله، جل وعلا، من الاستغناء عن السؤال، وكفاية نفسه وأهل بيته بالرزق الحلال. بل إنها مسؤولية في عنق الإنسان ما دام صحيحاً قادراً على الكسب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" كما ذم الإسلام سؤال الناس بغير عذر أو عجز عن الاكتساب، روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل"  .

   وبيّن، صلى الله عليه وسلم، من تحل له المسألة بقوله: " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تَحَمَّل حَمَالةً، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَا (أي العقل) من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش،ثم يمسك، فما سواهن من المسألة فَسُحْتٌ يأكلها صاحبها سُحْتاً" .

عباد الله!

  والمال في الإسلام مال الله تعالى، والمسلم مستخلف فيه؛ ومسؤول عنه يوم القيامة: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ روى الترمذي عن أبي برزة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" (3) ؟.

 ولمّا كان المال في حياة الناس قوام العيش، ولا غنى لأحد عنه، فإن من سعى في طلبه بالأسباب المشروعة، ووضعه في مواضعه؛ وأدى حق الله فيه، فقد وافق الحق، وهو مأجور- بإذن الله – بنيته الصالحة؛ يسعى ويكدّ في طلب العيش والرزق، ويثاب على ذلك، قال الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسانَ في كبدٍ) (البلد : 4) ، وقال سبحانه: (يا أيُّها الإنسانُ إنَّك كادِحٌ إلى ربِّك كدحاً فمُلاقيهِ) (الانشقاق: 6).

أيها المسلمون!

   لكن الإنسان في سعيه وكدّه تواجهه ابتلاءات يمتحن فيها إيمانه، وصبره ويقينه، من نقص في الأموال، أو تعسر في الأعمال، أو ضيق في الأحوال، فإن صبر وتوكل على الله ولازم التقوى؛ فرج الله كربه، وأزال همه، فضلاً عن ثوابه العظيم على صبره واحتسابه، قال الله تعالى: ( ولنبلُونَّكُم بشيءٍ من الخوف والجُوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين* الَّذين إذا أصابتهُم مصيبةٌ قالوا إنَّا لِلّه وإنَّا إليه راجعون* أُولئك عليهم صلواتٌ من ربِّهم ورحمة وأولئك هُمُ المُهتدون) (البقرة: 155-157).

  وقال سبحانه: (إنَّما يُوفَّى الصَّابرون أجرهم بغير حساب) (الرمز: 10).

  وقال جل وعلا: (ومن يتَّق اللَّه يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكَّل على اللَّهِ فهُو حسبُهُ) (الطلاق: 2-3).

  قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن أكبر آية في القرآن فرحاً (ومَن يتَّق اللَّه يجعل له مخرجاً) (الطلاق: 2).

عباد الله !

   ولمّا كانت التقوى تقوم على الإيمان والعمل الصالح، فقد جعل الله الأعمال الصالحة أسباباً للرزق والبركة، وضدها سبب لغضب الله تعالى وزوال النعمة، فقال جل وعلا: ( ولو أنَّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السَّماء والأرض ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانُوا يكسبون) (الأعراف: 96).

  كما خص المولى تبارك وتعالى كثيراً من الأعمال الصالحة بجعلها أسباباً للرزق؛ فضلاً عن الأجر والثواب في الآخرة، فمنها: الاستغفار: قال الله تعالى حكاية عن نبيه هود عليه السلام : ( ويَا قوم استغفِروا ربَّكم ثُمَّ تُوبُوا إليه يُرسل السَّماء عليكم مدراراً ويزدكم قوَّة إلى قوَّتكم ولا تتولَّوا مُجرمين) (هود : 52).

   وقال سبحانه تعالى حكاية عن نبيه نوح عليه السلام مخاطباً قومه: (فقُلتُ استغفِروا ربَّكم إنَّه كان غفَّاراً* يُرسل السَّماء عليكم مدراراً* ويُمدِدكُم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنَّاتٍ ويجعل لكم أنهاراً) (نوح: 10-12).

 قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات: أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم، وسقاكم ربكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها) ا. هـ.

أيها المسلمون!

   فإذا استغفر العبد ربه وتاب وأناب، فهو حري بهذه الثمرة بفضل الله وتوفيقه، وليعلم العبد أنه إذا استغفر ولم يستشعر الثمرة أن الخلل منه، فربما لم يجاوز استغفاره لسانه، أو وقع في ذنب عظيم لم تصدق توبته منه، فحرمه الله به أثر الاستغفار؛ فلنراجع صدق الإنابة إلى الله جل وعلا؛ فإن من صدق الله صدقه الله.

عباد الله ! ومن الأسباب المؤدية إلى كثرة المال والرزق في الدنيا: صلة الرحم. وهـم الأقارب، ممن بين الإنسان وبينهم نسب من جهة الولادة من طريق الأب أو الأم.

   والمراد بصلة الرحم: الإحسان إليهم بكل أنواعه حسيهِ ومعنويهِ، روى البخاري في صحيحه في باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول:" من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه"  .

   ولهذا السبب نجد بعض المسلمين قد فتح الله لهم أبواباً من الرزق وفيرة مع قلة نشاطهم وخبرتهم، قياساً بغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، بسبب أنهم يصلون أرحامهم، بل حتى العصاة والفجرة قد تنمو أموالهم بسبب صلة الرحم، لما رواه ابن حبان في صحيحه بسند جيد عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانة، والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا"  فسبحان من بيده مفاتيح الرزق!

أيها المسلمون! ومن أبواب الرزق العظيمة: الإنفاق في سبيل الله. فمن أنفق من ماله في سبيل الله- خلافاً لما يُتوهم من النقص الظاهر- يكون ذلك سبباً لكثرته، قال الله تعالى:( وما أنفقتم من شيءٍ فهُو يُخلِفُهُ وهو خيرُ الرَّازقين)(سبأ: 39)، قال ابن كثير رحمه الله: أي مهما أنفقتم من شيء مما أمركم الله به وأباحه لكم، فهو يخلفكم، ويخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.

قال ابن القيم رحمه الله في قول الله تعالى : ( الشَّيطانُ يعِدُكُم الفقر ويأمركـم بالفحشاء واللّه يعِدُكُم مغفرةً منه وفضلاً واللهُ واسعٌ عليم) (البقرة: 268)

   إن وعد الشيطان لابن آدم بالفقر ليس شفقة عليه، وليس نصيحة له، وأما الله عز وجل، فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه وفضلاً بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا، أو في الدنيا والآخرة. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تبارك وتعالى: " يا ابن آدم أنْفِقْ أُنْفِقْ عليك" . وروى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً "  .

عباد الله! وقد يكون المقدار القليل الضئيل الذي ينفقه المرء في سبيل الله بصدق وإخلاص أعظم من الكثير الذي ينفقه آخر أراد به الشهرة والفخر والرياء، عن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألـف فتصــــدق ومن مفاتيح الرزق وأسبابه: التعبد الحق لله عز وجل بقلب فارغ عما سواه، كما في الحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله تعالى يقول : يا ابن آدم: تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً ، ولم أسدَّ فقرك"  .

أيها المسلمون!

   وغني عن البيان أن التفرغ المطلوب لا يعني ترك كسب الرزق، وأن يصبح العبد عالة على غيره، بل المراد أن يفرغ العبد قلبه أثناء العبادة عما سوى الله تعالى من شواغل الدنيا، فلا يصلي المرء جسداً بلا روح،وقلبه شارد في أودية شتى.

   نسأل الله تعالى أن يجعلنا من (الَّذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون: 2)

  بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.