بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلاَّ على الظالمين وأشهد  أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعدأيها المسلمون! إن المسلم- أيا كان موقعه- في حال أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر عليه الأمر، والنهي، وليس عليه الاستجابة، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، لازم عمه أبا طالب يدعوه، ويأمره، ويطلب منه أن يقول: لا إله إلا الله ، ولم يستجب، حتى مات على ذلك، ومع ذلك، فقد استمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في دعوته، وتوجيهه، وحزن الرسول، صلى الله عليه وسلم، على ذلك، حتى أنزل الله عليه: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [القصص: 56].

  وهذا يؤكد على كل فرد أن يستمر في التوجيه، والدعوة، والإرشاد، فالداعي مهمته البلاغ، ويكفي في ذلك الإعذار إلى الله، سبحانه، والخروج من عهدة التكليف، والمسؤولية، كما قال سبحانه : (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة : 78، 79]. كما عرفنا أن هذه الأمة هي خير الأمم بسبب قيامها بهذا الواجب العظيم، ولذا فهو واجب من الواجبات على كل فرد بحسبه، وعرفنا بعض الآداب التي ينبغي أن يتصف بها الآمر، والناهي كالإخلاص لله، والصدق، والحلم، والحكمة، والرفق، واللين اقتداء بسيد الأنبياء، والمرسلين، وعليهم الصلاة، وأتم التسليم.

أيها المسلمون! اعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر، فهو فرض كفاية على عموم المسلمين، وفرض عين على كل

مسلم قادر إذا لم يقم به غيره، لقول الله جل وعلا: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون) [آل عمران: 104] وروى مسلم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم :" من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)  .

   فليس الأمر بالخير، والمعروف، وإرشاد الناس، وتوجيههم، وتصحيح أخطائهم، وتقويم سلوكهم قاصراً على فئة معينة من الناس، كالهيئات الرسمية فقط، فهؤلاء تعيّن عليهم هذا الأمر، وصار في حقهم آكد، ولهم أن يستعملوا من الوسائل، والأساليب ما في حدود استطاعتهم، وإمكاناتهم، وصلاحيتهم، ولكن الواجب أيضاً يعم كل فرد مسلم كل بحسبه، وكل هيئة رسمية، أو غير رسمية بحسبها، وبالوسيلة المناسبة، والأسلوب الحكيم، فالسلطان آمر بالمعروف داع إلى الخير ناهٍ عن المنكر في حدود سلطانه، والقاضي في حدود قضائه، والمسؤول في التعليم، والمدرس في دائرة اختصاصه، وموظف الإعلام المسموع، والمرئي في إذاعة، أو تلفاز، أو صحيفة، أو مجلة، فالمهمة على عاتقه كبيرة، والمسؤولية في هذا الباب جسيمة، كيف، وأجهزة الإعلام دخلت إلى كل بيت وغرفة! وتلك أدوات، ووسائل، فمن يملك المشاركة فيها، فهو من أعظم المسؤولين عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكذا كل مسؤول موظف في كل جهاز، ومؤسسة كل في حدود مهمته، وقدراته، واستطاعته، فهم آمرون، وموجهون، وناهون.

أيها المسلمون! ومن أعظم المسؤولين في الأمر، والنهي رب الأسرة، وقيمها ووليها، فقد يستطيع أن يأمر، وينهى بما لا يستطيع غيره: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"  كل بحسبه، وقدراته، واستطاعته، فتعاونوا –عباد الله- على ذلك، واستمروا عليه، وكونوا عوناً لكل آمر، وناهٍ، وداعٍ إلى الله، وادعوا للآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وكفوا عن تجريحهم، وتصيد أخطائهم، وناصحوهم، وادعوا لهم بالإعانة، والتوفيق، فهؤلاء سواء كانوا جهات رسمية، أو غير ذلك يشكلون حاجزاً من عقوبة الله، جل، وعلا، في الدنيا، والآخرة، قوموا بمسؤولياتكم، ولا تقصروا، وبخاصة فيما تقدرون عليه مما يتصل ببيوتكم، ونسائكم، وأبنائكم، وبناتكم ، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الله الله في ذلك، فالأمر خطير، والنعم لا تدوم إلا بشكرها، والمحافظة عليها على منهج الله، عز، وجل، ومن أهم المحافظة: التواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الله الله في ذلك قبل أن تندموا، ولات ساعة مندم، وصلوا، وسلموا على خير الدعاة، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، كما أمركم الله جل وعلا في محكم التنزيل فقال: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).