بحث عن بحث


الخطبة الثانية

  الحمد لله الذي فتح لعباده طريق الفلاح، وأرشدهم على ما فيه الخير والصلاح، فمن سلك هذا الطريق، فله الفوز والنجاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الحب، والنوى وفالق الإصباح، وأشهد أن نبينا محمداً عبده، ورسوله، الذي بددت رسالته ظلمات الجهل، والظلم كما بدد ظلام الليل نُور الصباح، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان ما أشرق الفجر، ولاح، أما بعد:

عباد الله!

   اعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يؤتي ثماره اليانعة، ونتائجه الطيبة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص لله، سبحانه وتعالى، لا ليقال: آمر وناهٍ، ولا ليكسب سمعة أو جاهاً، ولا ليتكلم في جراءته، وشجاعته، بل يطرح كل هذه المقاصد الدنيوية، ويتجه إلى تحقيق الطاعة لرب البرية، فالأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى، (وما أُمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء) [البينة: 5].

   وعلى من يقوم بهذه المهمة أيضاً أن يتلبس بلباس التقوى، والخلق الكريم والرفق في الأمر والنهي، وأن يستعمل الأسلوب المناسب، والعـرض الملائم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليكن أمرك بالمعــروف، وليكن نهيك عن المنكر غير منكر، وقد روى البخاري، وغيره أن رجلاً أعرابياً بال في المسجد بحضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، فهمّ به الصحابة، رضي الله عنهم، ليزجروه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: " لا تزرموه- أي لا تقطعوا عليه البول- ثم قال: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر، والبــول، والخلاء، وفي رواية : دعوه، وأريقوا على بوله سجلاً من ماء- أي دلواً-

فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ، والله، سبحانه، وتعالى، يقول: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالَّتي هي أحسن) [النحل: 125].

   وينبغي للآمر، والناهي، والداعي أن يلتزم ما يقول، ويأمر به، وإلا فلن يؤدي إلى نتائج مثمرة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: 2، 3].

يا واعظ الناس قد أصبحت متهماًَ            إن عبت منهم أموراً  أنت  تأتيهــا

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً               والموبقات لعمــري  أنت جانيهــا

تعيب  دنيا وناساً راغبيـن بهـا           وأنت أكثر منهم رغبــة فيهـــا

فاحرص أيها المسلم أن تطبق، وتعمل بما تقول.

أيها المسلمون! إن الناظر في أحوال عامة المسلمين يجد منكرات كثيرة، ومعاصي عظيمةـ وفتناً مهلكة، ويرى تقاعساً واضحاً تجاه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأصبحنا في فتن عظيمة كالأمواج المتلاطمة، فإذا لم يدرك كل واحد منا مسؤوليته، وأمانته، ويقوم بواجبه، ويتقي الله في أعماله، فسنة الله ستجري علينا.

    فالله الله، أيها المسلمون! والمبادرة المبادرة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ابتداء بأنفسنا، ثم في بيوتنا لأبنائنا، وبناتنا، وإخواننا، وأخواتنا، وأسرنا، كل حسب استطاعته، وقدرته، وسلطته، وما منحه الله، سبحانه، وتعالى، من إمكانات، وقدرات.

أيها المسؤول أيا كانت مسؤوليتك أميراً، أو وزيراً، أو موظفاً، أو مديراً، مدرساً، أو عاملاً، قم بواجب الأمانة عليك، فكل منا على ثغر، فالله الله أن يؤتى المسلمون من قبله، والله، ثم والله لو قام كل منا بواجبه، فأمر، ونهى، ونصح، وأرشد، وغيّر، واستنكر لأَمِنَّا المصائب في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، ولحصلت لنا الخيرية، والنجاة، والسعادة، والأمان، والخير، والفلاح، وإلا فلنحذر عقوبة، الله ، ومقته، وغضبه.

  صلوا وسلموا على خير الدعاة والناصحين، وخير دال إلى سبيل رب العالمين، كما أمركم الله في محكم التنزيل فقال سبحانه : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).

  اللهم اجعلنا ممن يستمع إلى الخير، فيتبع أحسنه.