بحث عن بحث

حقوق المسلم (7)

 

الحمد لله اللطيف الخبير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو السميع البصير، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وفضله، وهو يتولّى الصالحين، وأُصلي وأُسلِّم على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

 

 

أمَّا بعد:

فقد عشنا في دروس سابقة مع بعض حقوق المسلم على أخيه المسلم، واستعرضنا بشيء من التفصيل ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتَّبعه»([2]).

 

وفي هذا الدرس نعرض لبعض الحقوق التي جاءت في نصوص أخرى:

ومن أهمها: أن يحب الأخ لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه، روى الشيخان رحمهما الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(

وأخرجا أيضًا عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([4]).

 

وهذه المحبة تقتضي إرادة الخير له، والعطف عليه، وعدم كراهيته أو بغضه، أو حسده أو الحقدِ عليه، أو الفرحِ بالشر يصيبه، ونحو ذلك، وجامع ذلك: محبة الخير له، وكره الشر إذا أصابه.

 

والحب في الله شعار المؤمنين الصادقين، حيث جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم الأولويات، عندما قدم المدينة مهاجرًا، فبدأ ببناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

 

ولعظيم هذه المحبة رتب عليها الشارع أجرًا عظيمًا، وخيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه»(

 

وفي الحديث أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور، ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء» فقالوا: يا رسول الله! صفهم لنا، فقال: «المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتزاورون في الله»([6]).

 

والنصوص في فضل هذه المحبة وتعميقها متضافرة وكثيرة، فعلى كل مسلم أن يقوم بمقتضيات هذه المحبة والأخوة، فيغسل قلبه من كل درن، ويطهره من كل غل، ويزيل ما ران عليه من الأحقاد والضغائن، والحسد والغيرة، والكره والبغض، وسيجد ثمرة ذلك ثوابًا مضاعفًا عند رب الأرض والسماوات بإذن الله تعالى.

ومن حقوق المسلم على أخيه: أن ينصره ولا يخذله في أي موطن يحتاج فيه إلى نصره وتأييده، سواء برد اعتداء أصابه، أو دفاع عن عرضه، ونحو ذلك، جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»(

 

قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تأخذ فوق يديه»، وفي رواية: «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره»، وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»([8]).

 

وروى الإمام أحمد بسند فيه لين، -ولكن معناه ينجبر بالنصوص الأخرى- مرفوعًا: «ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا عند موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر امرءًا مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته»(

ومن حقوق المسلم العظيمة: أن لا يمسه بسوء أو يناله بمكروه، أو يحتقره، أو يغتابه، أو يعيبه ويسخر منه، أو ينبزه بلقب سوء، أو ينم عنه حديثًا للإفساد، أو يسبه أو يشتمه، ونحو ذلك من المعاني السيئة، والنصوص في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: 12]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[الحجرات: 11].

 

وروى مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»([10])،وروى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»(

وروى الإمام أحمد والحاكم وصححه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم»([12])،

وروى الإمام مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم»(

وروى أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقِّر أخاه المسلم»([14])، وروى البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات»(

ورويا أيضًا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»([16]).

فهل بعد هذه النصوص، وما فيها من وعيد وترهيب يطيب لمسلم أن يطلق لسانه في عرض مسلم، أو يؤذيه بقول أو فعل؟

ومن حقوق المسلم على أخيه المسلم: أن يتواضع له، ويخفض له الجناح، وأن لا يتكبّر عليه، وأن يعامله بالمعاملة الحسنة التي يحب أن يعامله هو بها.

وأن يبذل له المعروف، ويلاقيه بوجه طلق، ويقبل منه الإِحسان، ويعفو عن الإساءة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[لقمان: 18]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199].

وروى أبو داود وابن ماجه بسند صحيح عن عياض بن حمار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد...»(

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «وخالق الناس بخلق حسن»(

([2]) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (3)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير (45).

([1]) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (3)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير (45).

([4]) رواه البخاري في كتاب الحدود، باب فضل من ترك الفواحش (6806)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (1031).

([1]) رواه البخاري في كتاب الحدود، باب فضل من ترك الفواحش (6806)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (1031).

([6]) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (2443) (2444)، ورواه في كتاب الإكراه (6952)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (2584).

([1]) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (2443) (2444)، ورواه في كتاب الإكراه (6952)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (2584).

([8]) رواه الإمام أحمد (4/30).

([1]) رواه الإمام أحمد (4/30).

([10]) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (10)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل (40).

([1]) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (10)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل (40).

([12]) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

([1]) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

([14]) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يكره من النميمة (6056)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تغليظ تحريم النميمة (105).

([1]) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب ما يكره من النميمة (6056)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تغليظ تحريم النميمة (105).

([16]) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة (2865).