بحث عن بحث

حقوق العمال والخدم والمستأجرين

 

الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمًا عظيمة، وآلاء جسيمة، وأمدنا بفضله وكرمه، أحمده وأشكره على فضله وامتنانه، وأُصلي وأُسلِّم على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وإمام الموحدين والشاكرين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

أما بعد:

فقد استفدنا في دروسٍ سابقة بعض الفوائد المتعلقة بحقوق المسلم بعامة، وبحقوق الجار بخاصة، وعرفنا أن للجار حقوقًا ينبغي للمسلم أن يقوم بها، وأن يتمثلها في واقع حياته، فالإسلام أراد منا أن نحقق معنى الأخوة فيه، ابتداءً بالمحبة القلبية بين المسلمين، وانتهاء بعدم الإيذاء بأي صورة من صور الإيذاء.

 

 

وفي هذا الدرس نتحدّث عن حقوق فئة من الناس تعيش بيننا وفي وسط مجتمعنا، كثير منهم مسلمون، ومنهم غير مسلمين، هذه الفئة جلبناها برغبتنا، ولحاجتنا إليها، تشاركنا في أعمالنا، وفي مؤسساتنا؛ بل في مزارعنا وبيوتنا، تلكم هي فئة العمالة الوافدة من أقطار مختلفة، جاؤوا ليعيشوا معنا في هذه البلاد المباركة فترة من الزمن، عمالًا في المزارع والمصانع، وسائقين وخدمًا، وموظفين في مؤسسات، جنسياتهم مختلفة، ولغاتهم متعددة.

 

وهؤلاء - وقد وفدوا إلينا برغبتنا- لا شك أن لهم حقوقًا وواجبات، ينبغي أن يتأملها كل واحد منا بعامة، ومن هم تحت كفالته بخاصة.

 

ومن أهم هذه الحقوق: القيام بالمسؤولية تجاههم، فنحن مسؤولون عنهم، فكثير منهم مسلمون ولكن بالهوية، وآخرون تعلقوا بطقوس وعادات خارجة عن هذا الدِّين وتعاليمه، فلا يكن حظك -أيها المستقدم لهم- أن يشاركوك في دنياك دون أن تُهدي لهم ما ينفعهم في دينهم وينفعك عند خالقك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ا: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمر النعم»([2]).

 

وإنَّ من الخطأ البيِّن: أن يتملّص المستقدم لهم عن هذه المهمة الدعوية، بما يسوله الشيطان له بأنه ليس عالمًا أو داعية أو طالب علم، وأنه استقدمه من أجل عمل معين. فلا ريب أن هذا من وسواس الشيطان وتلبيسه، فالمسلم صاحب أمانة عظمى كلّفه الله بها؛ ليقدمها لعباد الله بمنهج واضح وسليم، وقد رزق الله هذه البلاد وأهلها سلامة ذلك المنهج والسير عليه، والدعوة إلى الله ليست قاصرة على العلماء وطلاب العلم، بل هي أمانة في عنق كل مسلم، بما يعلمه وبما يستطيعه.

ولتعلم -أخي المسلم- أن من مقتضى هذه الأمانة: عدم انعزال الفرد المسلم عن مجتمعه وأمته؛ بل هو مشارك لهم في كل ما يستطيع أن يقوم به من دعوتهم وإرشادهم وتوجيههم، فقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بلِّغوا عني ولو آية»( والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصر.

 

فإذا كان مَنْ تحت كفالتك -أخي المسلم- لا يحسن الصلاة، أو القيام بشعائر الإسلام، أو يتلبس بأمور بدعية أو شركية، وهو جاهل أو نحو ذلك؛ فاجتهد في تعليمه وتنبيهه، فهو من أعظم ما تقدمه له في الدنيا والآخرة، ويكون ذلك حسناتٍ مضاعفةً لك، وخيرًا مستمرًّا، والأمر في ذلك سهل وميسور والحمد لله، فالدولة -وفقها الله لكل خير- قد فتحت مكاتب توعية الجاليات التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والتي لديها من الوسائل المعينة على هذه المهمة ما يشجعك لأن تقوم بها خير قيام.

 

ولعل من نافلة القول: أن هذه المهمة لا تقتصر على المستقدم لهم فحسب، فالمسؤولية مشتركة والأمانة عامة، فليكن لكل مسلم شرف الدعوة وإيصال الخير لهم.

 

ومن حقوقهم أيضًا: أداء مرتباتهم ومكافآتهم وحقوقهم المالية التي نص عليها في عقودهم، فمن صفات المسلم: وفاؤه بالعقود، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1]، ومن لم يف بذلك فلم يؤدِّ الحقوق إلى أهلها، أو أخّرها تأخيرًا بالغًا فقد حمّل نفسه إثمًا عظيمًا ووزرًا وعذابًا أليمًا، وسيُقتص منه يوم القيامة، روى مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»([4])، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت عنده مظلمة لأحد من عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»(

وعن عبد الله بن عمر ب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»(

 

أخي المسلم الكريم! الأصل في المسلم الصادق، الذي يراقب ربه، أن يلتزم بما اشترطه على نفسه في العقد، فلا يخل به أو يقصّر، فعليه مراقبة الله فإن الله يحصي عليه كل شيء، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[الكهف: 49].

ومن حقوقهم -وهو لازم لما قبله-: عدم إيذائهم وظلمهم، فإن عاقبة الظلم وخيمة، وجزاؤها معجل في الدنيا، فضلًا عن عذاب الآخرة، والظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: 227]، وقال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ[هود: 18]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 39]، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن دعوة المظلوم مستجابة، وأن الله تعالى يملي للظالم، ولكن إذا أخذه لم يفلته.

 

فلتحذر -أخي المستقدم- من إيذاء هذه الفئة وظلمها.

([2]) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3461).

([1]) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3461).

([4]) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحلّلها له (2449).

([1]) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحلّلها له (2449).

([5]) رواه ابن ماجه في كتاب الرهون، باب أجر الأجراء (2443).