بحث عن بحث

حقوق غير المسلمين

 

الحمد لله الذي أمرنا بمكارم الأخلاق والخصال، ونهانا عن منكرات الأقوال والأفعال، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

 

 

أما بعد:

فلا زلنا مع هذه الدروس المباركة، في بيان الحقوق الواجبة علينا، ففي الدرس السابق تدارسنا حقوق فئة من المسلمين تعيش بيننا وفي وسط مجتمعنا، وتعمل في بيوتنا ومؤسساتنا، وفي مصانعنا ومزارعنا، وهي فئة العمالة الوافدة من الخارج.

 

وفي هذا الدرس نتحدّث عن حقوق فئة أخرى، يتعامل معها كثير من الناس بغير علم، ويقعون بين إفراط وتفريط، وديننا الحنيف دين شامل كامل أتى بمنهج واضح محدد، يلتزم به المسلم، ويتعامل من خلاله، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيّنها ووضحها، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38].

 

فمن هذا المنطلق نجد أحكام الإسلام في جميع شؤون الحياة مهما دق أمرها أو جل.

 

 

أخي المسلم!

هذه الفئة هي فئة غير المسلمين، فلهم حقوق علينا نحن المسلمين، سواء في تعاملنا الفردي معهم، أو على مستوى المجتمع المسلم بأكمله، ومن الفقه في الدِّين أن يفقه المسلم حقوق هذه الفئة، وطريقة التعامل معها، وبخاصة من يخالطهم ويتعامل معهم، سواء كان تعاملًا تجاريًا أو غيره.

 

ولعلّ من المعلوم أن الكفار بالنسبة للمسلمين ينقسمون إلى قسمين: كفار محاربون للمسلمين، وكفار غير محاربين لهم، والذي يعنينا في هذه الحلقة: الكافر غير المحارب للمسلمين.

 

فمن أهم ما ينبغي في النظرة إليهم: أن يعرف المسلم بأنهم كفار، لا يقرهم على كفرهم، ولا يرضى به، ثم يبغضهم لكفرهم، ولا يواليهم أو يوادهم، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 28]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: 22].

 

فإذا عرف المسلم ذلك، وانطوى عليه قلبه، وسلمت عقيدته من الخلل؛ فليعلم بعد ذلك أن لهم حقوقًا خاصة بهم، كما أن لهم حقوقًا يشتركون فيها مع المسلمين.

 

وفي مقدمة حقوقهم: كف الأذى والظلم عنهم، وعدم التعدِّي عليهم بأي صورة من صور الإيذاء أو التعدِّي، سواء كان الأذى أذى قوليًّا من السب والشتم ونحوهما، أو أذى فعليًّا جماعيًّا، وإذا كان الأذى بالقول محرمًا، فما بالك -أخي المسلم- بالأذى الفعلي أو الأذى الجماعي، أو بالتخويف والتهديد!! ولذلك جاءت صورة النهي عن هذا الإيذاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة قوية صريحة، روى البخاري رحمه الله عن عبد الله بن عمرو ب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدًا لم يَرضح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا»([2]).

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذميًّا فأنا خصمه»(

 

ومما ينبغي إيضاحه: أن الإسلام حرّم الظلم والغدر والخيانة لكل شخص، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 57]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة»(

([2]) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (8/370) وضعَّفه الألباني في غاية المرام (470).

([1]) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (8/370) وضعَّفه الألباني في غاية المرام (470).

([3]) رواه البخاري في كتاب المظالم، باب الظلم ظلمات يوم القيامة (2447)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (2579).