بحث عن بحث

حق المال

 

الحمد لله الذي أنعم علينا بالأموال، وحثّنا على اكتسابها بالطرق الحلال، وشرع لنا صرفها فيما يرضي الكبير المتعال، أحمده سبحانه وأَشكره على نعمه وإحسانه، وتفضله وامتنانه، وأُصلي وأُسلم على أشرف خلقه وصفوته من أنبيائه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه على أفضل السمات والخصال.

 

 

أما بعد:

فما زلنا نتذاكر في هذه الدروس المباركة الحقوق التي أرشدنا ديننا إلى القيام بها، وفي هذا الدرس نتحدّث عن حقٍّ مهم، يتعلق بنعمة عظيمة من نعم الله عز وجل، ألا وهي نعمة المال، تلكم النعمة التي جعلها الله للناس قيامًا، فلا يستغني عنها مخلوق حي، حتى الطيور تبحث عن أرزاقها، في غدوها ورواحها، وهذا المال له حقوق على صاحبه، من قام بها زاده الله تعالى من فضله ونعمه، ومن قصَّر فيها كان ماله خسارة عليه في الدنيا والآخرة.

 

أول هذه الحقوق وأهمها: اعتقاد أن هذا المال مال الله تعالى، فهو ملك الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ[المائدة: 120]، وقال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: 33].

 

وعليه: فالمال مال الله، والناس مستخلفون فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7]، فيتصرف المسلم بناء على هذا الأصل العقدي المهم.

 

وقال تعالى مبينًا امتنانه على عباده فيه: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ [الإسراء: 6]، وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ[العنكبوت: 60].

 

ومن حقوق المال: اكتسابه من الأوجه المشروعة التي حث عليها الشرع، وأكّد عليها ورغّب فيها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: 10].

 

ومن الطرق المشروعة التي أُبيح للمسلم أن يتعامل بها: التجارة والسعي والضرب في الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]، وهذه التجارة من بيع وشراء وإجارة وغيرها، لها أحكام شرعية وتفاصيل، يجب لمن يتعامل بها أن يفقهها ويفهمها؛ حتى لا يقع في المحظور.

 

ومن الطرق أيضًا: التملك عن طريق الوصية أو الإِرث، أو عن طريق الجهاد في سبيل الله من الغنيمة والفيء، أو عن طريق الهبات والهدايا والعطايا.

 

وعليه: فليحذر المسلم من أن يتعامل بالطرق المحرمة؛ كالغش، والخداع، والربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والتدليس، وقول الزور، واستعمال الأيمان الكاذبة فيها، والرشوة، والتزوير، والحيل، والقمار، وغيرها، فإن كل ذلك سبب للكسب الحرام الذي يؤثر على جميع المال فيفسده، ويتسبب في عدم قبول دعاء صاحبه؛ لأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في آخر الحديث: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام..» قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «فأنَّى يُستجاب له»([2]).

 

فعلى التاجر المسلم والبائع والمشتري أن يكون سليم النية والقصد، أمينًا صدوقًا، لا يلهيه ماله عن طاعة الله، أو يؤدي به إلى معصيته، متجنبًا المعاملات المحرمة، متقيًا المعاملات المشتبهة؛ ليبارك له في ماله، ويسلم له دينه.

ومن حقوق المال: إنفاقه في الأوجه المشروعة التي حددها الشرع ورغب فيها، ومن ذلك: الإنفاق على النفس والأهل والذرية، وكذا الإنفاق على الأقربين بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 233]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق: 7]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الإنفاق على الزوجات: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»(

 

ولا شك أن هذا الإنفاق إذا روعيت آدابه وشروطه كان له فيه أجر وخير، قال صلى الله عليه وسلم في معرض كلامه عن الصدقات: «حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك»([4]).

 

ومن حقوقه المال: أداء حق الله فيه من الزكاة المفروضة، التي هي أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وقرينة الصلاة في المنزلة والأحكام، وتردد ذكرها في القرآن أكثر من مائة مرة؛ لعظم شأنها، وعُلُوِّ مكانتها، ورفعة منزلتها، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: 20]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[البينة: 5].

وقد رتب الله تعالى على إخراجها ثوابًا عظيمًا وأجرًا جزيلًا، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [السبأ: 39]، ويقول سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261].

ومن حقوق المال: صدقة الفطر التي يجب على الصائم إخراجها من غروب شمس ليلة عيد الفطر، وتجب على كل شخص من المسلمين، ذكرًا أو أُنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، صاعًا من قوت البلد، من بُرٍّ أو أرز أو نحوهما مما يقتات، وشرعت طهرةً للصائم، وطعمة للمساكين، ومواساة لهم.

ومن حقوق المال: الإنفاق منه في وجوه الخير المتعددة من الصدقات والبر، والإحسان للمحتاجين والفقراء والمساكين، وعلى المؤسسات التعليمية أو الإغاثية، أو بناء المساجد، والمستوصفات، وحفر الآبار، وعلى المجاهدين في سبيل الله، وكل ذلك ونحوه في سبيل الله عز وجل الذي يوجب دخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[آل عمران: 133 134].

وفي هذا الإنفاق وقاية للإنسان من النار، روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»(

 

وفيه تكفير للسيئات، قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»([6]).

 

وفيه تكفير للسيئات، قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»([2])،


 

وفيه أجر مستمر إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»([8]).

 

ومما تجب مراعاته في هذا الإنفاق بجميع أنواعه: الإخلاص فيه لله عز وجل، بأن يجرده من كل نية دنيوية من رياء أو سمعة أو غيرها، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(

 

وكذا عدم المن والأذى، فلا يتحدّث بما أعطى فيؤذي المعطَى، فإذا حدث ذلك كان مبطلًا لثواب هذا الإنفاق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264].

 

وفي جميع سبل الإنفاق: على المنفق أن يبتعد عن الإسراف والتبذير والتقتير، فيكون وسطًا بينهما معتدلًا، فلا يسرف ولا يقتر أو يبخل، قال تعالى مثنيًا على أهل الوسط والاعتدال من المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].

 

ومن حقوق المال: شكر الله تعالى عليه بأن منحه هذا المال الذي يتمتع به ويستغني به عن السؤال، ويزكي منه، وينفق على نفسه وأهله في وجوه الخير المتعددة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7]، وبالشكر تدوم النعم، وبكفرانها تقل وتنعدم، وتكون وبالًا على صاحبها، عياذًا بالله!

 

فاحفظوا نعم ربكم بشكره عليها والثناء عليه سبحانه، والتمسوا البركة فيها باكتسابها من الحلال، واطلبوا نماءها بأداء حق الله فيها، وطيبوا نفسًا بالإنفاق منها في أوجه الخير والبر، فذلكم الإنفاق من أعظم أبواب الثواب والأجر يوم القيامة.

 

أسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أهلينا وأموالنا، وأن يعيننا على طاعته ومرضاته، إنه سميع مجيب، وهو المستعان.


([2]) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

([1]) رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

([4]) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد (1413)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة (1016).

([1]) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد (1413)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة (1016).

([6]) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو (2588)، والترمذي في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا مثل أربعة نفر (2330).

([2]) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب استحباب العفو (2588)، والترمذي في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا مثل أربعة نفر (2330).

([8]) رواه البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية» (1907).

([1]) رواه البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية» (1907).