بحث عن بحث

نظرة في عموم الحديث

إن الحديث الذي بين أيدينا بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث بالعلم والهدى من عند الله تبارك وتعالى إلى الثقلين كافة من الجن والإنس, وشريعته عامة للجميع, كما أنها نعمة ورحمة للبشرية، ويعم نفعها لكل أصناف البشر, ولكن الناس في الاستفادة من علمه وهديه يتفاوتون، فقد ضرب لهذا بمثل رائع من نزول المطر على الأرض, ومن ثم الانتفاع به, وقد شرح النووي هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم فيقول: «أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيث وَمَقْصُوده فَهُوَ تَمْثِيل الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْغَيْثِ, وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع, وَكَذَلِكَ النَّاس. فَالنَّوْع الْأَوَّل مِن الْأَرْض يَنْتَفِع بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْد أَنْ كَانَ مَيِّتًا, وَيُنْبِتُ الْكَلَأ, فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ وَالزَّرْع وَغَيْرهَا, وَكَذَا النَّوْع الْأَوَّل مِن النَّاس, يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْم فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبه, وَيَعْمَلُ بِهِ, وَيُعَلِّمُهُ غَيْره, فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ. وَالنَّوْع الثَّانِي مِن الْأَرْض مَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاع فِي نَفْسهَا, لَكِنْ فِيهَا فَائِدَة, وَهِيَ إِمْسَاك الْمَاء لِغَيْرِهَا, فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ, وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي مِن النَّاس, لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة, لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَام ثَاقِبَة, وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْل يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَام, وَلَيْسَ عِنْدهمْ اِجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل بِهِ, فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدهمْ مِن الْعِلْم, أَهْل لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاع, فَيَأْخُذهُ مِنْهُمْ, فَيَنْتَفِع بِهِ, فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ. وَالنَّوْع الثَّالِث مِن الْأَرْض السِّبَاخ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوهَا, فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ, وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرهَا, وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِن النَّاس, لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة, وَلَا أَفْهَام وَاعِيَة, فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ, وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرهمْ. وَالله أَعْلَم(1)

وقال ابن حجر:

قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره: ضَرَبَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لِمَا جَاءَ بِهِ مِن الدِّين مَثَلًا بِالْغَيْثِ الْعَامّ الَّذِي يَأْتِي فِي حَال حَاجَتهمْ إِلَيْهِ, وَكَذَا كَانَ النَّاس قَبْل مَبْعَثه, فَكَمَا أَنَّ الْغَيْث يُحْيِي الْبَلَد المَيِّت فَكَذَا عُلُوم الدِّين تُحْيِي الْقَلْب الْمَيِّت. ثُمَّ شَبَّهَ السَّامِعِينَ لَهُ بِالْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَة الَّتِي يَنْزِل بِهَا الْغَيْث, فَمِنْهُم الْعَالِم الْعَامِل الْمُعَلِّم. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الطَّيِّبَة شَرِبَتْ فَانْتَفَعَتْ فِي نَفْسهَا وَأَنْبَتَتْ فَنَفَعَتْ غَيْرهَا. وَمِنْهُم الْجَامِع لِلْعِلْمِ الْمُسْتَغْرِق لِزَمَانِهِ فِيهِ غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِنَوَافِلِهِ أَوْ لَمْ يَتَفَقَّه فِيمَا جَمَعَ لَكِنَّهُ أَدَّاهُ لِغَيْرِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الَّتِي يَسْتَقِرّ فِيهَا الْمَاء فَيَنْتَفِع النَّاس بِهِ, وَهُوَ المُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «نَضَّرَ الله اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا »(2). وَمِنْهُمْ مَن يَسْمَع الْعِلْم فَلَا يَحْفَظهُ وَلَا يَعْمَل بِهِ وَلَا يَنْقُلهُ لِغَيْرِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض السَّبْخَة أَوْ الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تَقْبَل الْمَاء أَوْ تُفْسِدهُ عَلَى غَيْرهَا. وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَثَل بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْمَحْمُودَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِانْتِفَاع بِهِمَا, وَأَفْرَدَ الطَّائِفَة الثَّالِثَة الْمَذْمُومَة لِعَدَمِ النَّفْع بِهَا. وَالله أَعْلَم.

وَقَالَ الطِّيبِيّ: بَقِيَ مِن أَقْسَام النَّاس قِسْمَانِ: أَحَدهمَا الَّذِي اِنْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسه وَلَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره, وَالثَّانِي مَن لَمْ يَنْتَفِع بِهِ فِي نَفْسه وَعَلَّمَهُ غَيْره. قُلْت: وَالْأَوَّل دَاخِل فِي الْأَوَّل لِأَنَّ النَّفْع حَصَلَ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبه, وَكَذَلِكَ مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض, فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِع النَّاس بِهِ وَمِنْهُ مَا يَصِير هَشِيمًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ عَمِلَ الْفَرَائِض وَأَهْمَلَ النَّوَافِل فَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ, وَإِنْ تَرَكَ الْفَرَائِض أَيْضًا فَهُوَ فَاسِق لَا يَجُوز الْأَخْذ عَنْهُ, وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم: «مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا » وَالله أَعْلَم(3)

فلا بد للاهتداء من محل قابل، فإذا لم تكن في المحل صلاحية لا يستفيد الإنسان من آيات الكتاب والسنة, ولذا قيد الله تعالى في القرآن لهدايته بقيود وقد أشار إلى بعضها الشيخ السعدي : فيقول: «وقيد هدايته في بعض الآيات بعدة قيود: قيد هدايته بأنه هدى للمؤمنين, المتقين, لقوم يعقلون, ويتفكرون, ولمن قصده الحق، وهذا بيان منه تعالى لشرط هدايته، وهو أن المحل لا بد أن يكون قابلاً وعاملاً، فلا بد لهدايته من عقل وتفكير وتدبر لآياته، فالمعرض الذي لا يتفكر ولا يتدبّر آياته لا ينتفع به, ومن ليس قصده الحق ولا غرض له في الرشاد, بل قصده فاسد، وقد وطّن نفسه على مقاومته ومعارضته، ليس له من هدايته نصيب, فالأول حرم هدايته لفقد الشرط, والثاني لوجود المانع, فأما من أقبل عليه وتفكر في معانيه وتدبرها بحسن فهم وحسن قصد، وسلم من الهوى, فإنه يهتدي به إلى كل مطلوب, وينال به كل غاية جليلة ومرغوب«(4)

وهكذا سنّة النبي صلى الله عليه وسلم يستفيد منها من كان فيه خير, فقد بينه بأسلوب شيق وبكلام جذاب, فحري بالمعلم عامةً وبطالب العلم خاصةً أن يطلب العلم, ويتفقه فيه, ويعمل به, ويعلمه غيره(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: شرح مسلم للنووي، (المجلد الخامس),  15/47-48.

(2) أخرجه أبوداود في العلم برقم (3660)، باب فضل نشر العلم، والترمذي في العلم، برقم (2656، 2657، 2658)، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وابن ماجه في المقدمة برقم (230، 231، 232، 236)، باب من بلّغ علمًا، وفي المناسك، باب الخطبة يوم النحر برقم (3056)، وأحمد عن ابن مسعود برقم (4146)، وأنس بن مالك برقم (12937)، وجبير بن مطعم برقم (14294، 14312)، وزيد بن ثابت برقم (21080).

(3) ينظر: فتح الباري لابن حجر،  1/177.

(4) كتاب: فوائد قرآنية للسعدي، ص: 8.

(5) سيأتي إن شاء الله مزيد شرحٍ وبسطٍ لهذه النقطة في الوقفة الخامسة.