بحث عن بحث

ضرب الأمثلة: أثرها واستعمالها في القرآن والسنة

إن الأمثال لها تأثير بالغ على الإنسان؛ لذا نرى في الكتاب والسنة كثيرا ما يستشهد بها, ويستفاد منها في أمور كثيرة: في التذكير، والنصح, والوعظ, والحث, والترغيب, والترهيب، والتعليم، والتربية، والزجر, والاعتبار, والتقرير, وتقريب المراد للعقل, وتصويره بصورة المحسوس, فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس, ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي, والغائب بالشاهد. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة الزمر: 27]

وقال أيضاً: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]

يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: أي: «لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم لكونها من الطرق الموضحة للعلوم, ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة, فيتضح المعنى المطلوب بسببها, فهي مصلحة لعموم الناس(1)

وقد كتب العلماء في تصانيفهم كثيرًا عن تأثير هذا النوع من الأسلوب, فيقول الزمخشري: «التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من الشاهد, فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله, وإن كان حقيرًا كان المتمثل به كذلك«(2)

وقال الأصبهاني: «لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي, في إبراز خفيات الدقائق, ورفع الأستار عن الحقائق, تريك المتخيل في صورة المتحقق, والغائب كأنه مشاهد, وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة, وقمع لسورة الجامح الأبي, فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه«(3)

وقد أكثر الله تعالى في كتابه الأمثال. مثل قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّـهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: 17-20]. ضرب الله فيها مثلين للمنافقين: مثلاً بالنار, ومثلاً بالمطر.

يقول الطبري: مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر, وصدقنا بمحمد وبما جاء به, وهم للكفر مستبطنون فيما الله فاعل بهم مثل استضاءة موقدٍ نارًا بناره, حتى أضاءت له النار ما حوله, يعنى ما حول المستوقد(4)

وقال أيضا: وتأويل ذلك: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر, مثل استضاءة موقد نارٍ بضوء ناره, على ما وصف جل ثناؤه من صفته, أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء, تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة, وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه(5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان, للشيخ السعدي, ص: 631.

(2) ينظر في كتاب: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 4/39.

(3) المرجع السابق.

(4) كتاب: تفسير الطبري: 1/335.

(5) كتاب: تفسير الطبري: 1/354.