بحث عن بحث

ضرب الأمثلة في السنة

وكذا نجد الأمثال تستعمل بكثرة في السنة، فإليك البعض منها :

•       فعَن ابْنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ المُنَافِقِ: كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً«(1)

(الْعَائِرَة) أَيْ: الْمُتَرَدِّدَة بَيْن قَطِيعَيْنِ مِن الْغَنَم، وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب الْفَحْل فَتَتَرَدَّد بَيْن قَطِيعَيْنِ وَلَا تَسْتَقِرّ مَعَ إِحْدَاهُمَا، وَالْمُنَافِق مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بِظَاهِرِهِ وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ بِبَاطِنِهِ تَبَعًا لِهَوَاهُ وَعَرْضه الْفَاسِد فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ تِلْكَ الشَّاة(2)

•       وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ(3) رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرّ ً«(4)

قال ابن حجر: قِيلَ: الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْأُتْرُجَّة بِالتَّمْثِيلِ دُون غَيْرهَا مِن الْفَاكِهَة الَّتِي تَجْمَع طِيب الطَّعْم وَالرِّيح كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِح بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَج مِن حَبِّهَا دُهْن لَهُ مَنَافِع، وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنّ لَا تَقْرَب الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجّ، فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآن الَّذِي لَا تَقْرَبهُ الشَّيَاطِين، وَغِلَاف حَبّه أَبْيَض فَيُنَاسِب قَلْب الْمُؤْمِن، وَفِيهَا أَيْضًا مِن الْمَزَايَا كِبْر جُرْمهَا، وَحُسْن مَنْظَرهَا، وَتَفْرِيح لَوْنهَا، وَلِين مَلْمَسهَا، وَفِي أَكْلهَا مَعَ الِالْتِذَاذ طِيب نَكْهَة وَدِبَاغ مَعِدَة وَجَوْدَة هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِع أُخْرَى مَذْكُورَة فِي الْمُفْرَدَات.

وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة حَامِلِي الْقُرْآن، وَضَرْب الْمَثَل لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُود مِن تِلَاوَة الْقُرْآن الْعَمَل بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ(5)

•       وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ: بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ(6)

قال النووي: فِيهِ فَضِيلَته صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ خَاتَم النَّبِيِّينَ، وَجَوَاز ضَرْب الْأَمْثَال فِي الْعَلَم وَغَيْره(7)

•       وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ؛ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَزَعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ وأَنْتُمْ تَقَحَّمُوْنَ فِيهَا(8)

قال ابن حجر: وَحَاصِله أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُت أَصْحَاب الشَّهَوَات فِي المَعَاصِي الَّتِي تَكُون سَبَبًا فِي الْوُقُوع فِي النَّار بِتَهَافُتِ الْفَرَاش بِالْوُقُوعِ فِي النَّار اِتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا، وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاة عَن الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِب النَّار الْفَرَاش عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاض: شَبَّهَ تَسَاقُط أَهْل الْمَعَاصِي فِي نَار الْآخِرَة بِتَسَاقُطِ الْفَرَاش فِي نَار الدُّنْيَا(9)

وقال النووي: وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم شَبَّهَ تَسَاقُط الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتهمْ فِي نَار الْآخِرَة، وَحِرْصهمْ عَلَى الْوُقُوع فِي ذَلِكَ، مَعَ مَنْعه إِيَّاهُمْ، وَقَبْضه عَلَى مَوَاضِع الْمَنْع مِنْهُمْ، بِتَسَاقُطِ الْفِرَاش فِي نَار الدُّنْيَا، لِهَوَاهُ وَضَعْف تَمْيِيزه، وَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسه، سَاعٍ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ(10)

•       وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ؛ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ، قَد اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّيَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا. قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَوَسَّعُ(11)

قَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِن سِلَاحِ عَدُّوِهِ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسهَا، وَالدُّرُوع أَوَّل مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَان يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَة فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «حَتَّى تَعْفُوَ أَثَره» أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيع بَدَنِهِ. وَجُعِلَ الْبَخِيل كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسهَا اِجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَته، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «قَلَصَتْ» أَيْ: تَضَامَنَتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَالْمُرَاد أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اِنْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسه فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْبَخِيل إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسه فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ.

وَقَالَ الطِّيبِيّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِن جِبِلَّة الْإِنْسَان، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّق مَوْقِع السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِع وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِن الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ(12)

•       وعَن ابْنِ عُمَرَ ب أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ(13) إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ(14)

قال ابن حجر: شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآن وَاسْتِمْرَار تِلَاوَته بِرَبْطِ الْبَعِير الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الشِّرَاد، فَمَا زَالَ التَّعَاهُد مَوْجُودًا فَالْحِفْظ مَوْجُود، كَمَا أَنَّ الْبَعِير مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظ. وَخَصَّ الْإِبِل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدّ الْحَيَوَان الْإِنْسِيّ نُفُورًا، وَفِي تَحْصِيلهَا بَعْد اسْتِمْكَان نُفُورهَا صُعُوبَة(15)

وكذلك الحديث الذي نحن بصدد شرحه استعمل النبي صلى الله عليه وسلم فيه أسلوب ضرب المثل لما لهذا الأسلوب من أثر بالغ على توضيح المراد وتقريب المعاني إلى الأذهان.

*         *        *

ومن هنا تحصّل لدينا أنّ ضرب المثل أسلوب من أهم الأساليب لتقريب المعاني، وقوة التصوير، وسرعة الإقناع، يحسن بالمعلم والمربي، والداعية والموجه، والأب والأم، أن يستخدم هذا الأسلوب ليكون كلامه مقبولاً، ومعانيه المرادة واضحة وجلية، كما استخدم في القرآن الكريم، واستخدم في السنة النبوية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: صفات المنافقين وأحكامهم، برقم: (2784). وسنن النسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، باب: مثل المنافق، برقم: (5040).

(2) شرح سنن النسائي للسندي, المجلد الرابع، 8/124.

(3) بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالرَّاء وَتَشْدِيد الْجِيم وَقَدْ تُخَفَّف, ثَمَر مَعْرُوف يُقَال لَهَا: تُرُنْج جَامِع لِطِيبِ الطَّعْم وَالرَّائِحَة وَحُسْن اللَّوْن وَمَنَافِع كَثِيرَة. وَالْمَقْصُود بِضَرْبِ الْمَثَل بَيَان عُلُوّ شَأْن الْمُؤْمِن وَارْتِفَاع عَمَله, وَانْحِطَاط شَأْن الْفَاجِر وَإِحْبَاط عَمَله. (ينظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي ،13/177).

(4) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب: ذكر الطعام، برقم: (5427), وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب :فضيلة حافظ القرآن، برقم: (797).

(5) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني،  9/66-67.

(6) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: خاتم النبيين، برقم: (3535), وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب :ذكر كونه غ خاتم النبيين، برقم: (2286).

(7) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الخامس, (15/51).

(8) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: الانتهاء عن المعاصي، برقم: (6483) واللفظ له, وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب: شفقته غ على أمته، برقم: (2284).

(9)   فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني،  11/318-319.

(10)   شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الخامس, (15/50).

(11) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: مثل البخيل والمتصدق، برقم: (1443), وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل، برقم: (1021).

(12) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني،  3/306-307.

(13) وَالْـمُعَقَّلَة بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْقَاف أَيْ الْمَشْدُودَة بِالْعِقَالِ، وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ فِي رُكْبَة الْبَعِير   (ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني،  9/79).

(14) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده، برقم: (5031), وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأمر بتعهد القرآن، برقم: (789).

(15) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 9/79.