بحث عن بحث

الوسائل المناسبة والأساليب المفيدة في الدعوة

 

الوسيلة: القربة، توصل إليه: تقرب إليه، وهي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، وفي المجال الدعوي؛ هي الطريقة التي توصل بها الدعوة. أو هي ما يستعين بها الداعي على تبليغ الدعوة إلى الله على نحو نافع مثمر(1)

والأسلوب: عرض ما يراد عرضه من أفكار ومعاني وقضايا.

ثم هل هي توقيفية، أو اجتهادية؟ فيه تفصيل: إن أريد بالوسائل المنهج كضرورة البدء بالعقيدة، ونبذ الشرك، فهنا تكون توقيفية.

وإن أريد الأساليب والطرق فهي اجتهادية حسب الدليل والقواعد الشرعية. فالرسول غ قام بالدعوة إلى الإسلام بالوسائل المختلفة، والأساليب المتنوعة، فيجب على الداعية اتخاذ هذه الوسائل المفيدة، والسير على تلك القواعد الدعوية المهمة، التي سار عليها النبي غ، لكي تؤتي ثمارها. ويقيس ما جدّ منها عليها.

      أولاً: وسائل التبليغ :

أ- التبليغ بالقول: القول هو الأكثر في تبليغ الدعوة إلى الله، وله أهمية بالغة، فالقرآن كلام رب العالمين، وهو قوله تبارك وتعالى، نزل به الروح الأمين على نبينا محمد غ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [سورة الشعراء: 192-195]، فأكثر ما استعين به للدعوة في الكتاب والسنة أسلوب القول.

*          *          *

ولابدَّ أن يكون القول واضحًا مفهومًا خاليًا من الغموض والإبهام، لأن الغرض من الكلام إيصال المعاني المطلوبة إلى المدعو، ولهذا أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، يتكلم كلامًا فصيحًا مفهومًا يفهمه كل سامع، كما جاء في الحديث: عَن عَائِشَةَ رضي الله عنه قَالَتْ: كَانَ كَلَامُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَن سَمِعَهُ(2)

وما أرسل من نبي إلا بلسان قومه، ليكون أدعى إلى فهم قومهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: 4]

كما يجب على الداعي أن يختار الكلمات الواضحة في الدلالة، ويجتنب الكلمات التي تحتمل معاني حقة وباطلة، كما كان اليهود يستعملونها، وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّـهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: 46]، وأمر المؤمنين أن يحذروا من هذه الكلمات، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 104]

وعلى الداعي أن يتلطف بالقول، فيستعمل في كلامه ما يرغب المدعو إلى استماع كلامه، كما قال تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [سورة طه: 44]

وكما خاطب إبراهيم عليه السلام أباه: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا[[سورة مريم: 41-45]

فهذا الأسلوب غاية في التطلف والتلين في القول، فاستعمل إبراهيم عليه السلام رابطة الأبوة التي من شأنها أن تجعل الابن حريصاً على مصلحة الأب، وتجعل الأب جديرًا بأن يصغي إلى خطاب ابنه.

 

ولكن التلطف في القول لا يعنى المداهنة، أو النفاق، أو إبطال الحق، أو إحقاق الباطل، وإنما هو تشويق للمدعو لقبول الحق وإعانته على القبول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينظر: كتاب أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، ص: 429.

(2) سنن أبي داود، كتاب الأدب  ،باب: الهدي في الكلام, برقم: (4839).