بحث عن بحث

عوائق وعقبات في طريق الدعوة

 

مصاحبة المبطئين والمعوقين: إن الإنسان يتأثر بمن يصاحبه كما جاء في الحديث: المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَن يُخَالِطُ. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَن يُخَالِلُ(1)

أيضا عَن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ: كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً(2)

فصحبة المبطئين والمعوقين تكون ضارة للدعاة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ [سورة النساء: 72]

وقال أيضاً: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [سورة الأحزاب: 18].

 

فالله جل وعلا يحذر المؤمنين من هذين الصنفين أشد الحذر ليصفي طريق الدعوة، فالحذر الحذر من مصاحبتهم. وهؤلاء يمكن أن نسميهم مقدمي (السم الحلو) ليقتلوا همة هذا الداعية بما يقدمونه من لحن القول وحلاوته فيطرب له الداعي، كمن يقول: ارفق بنفسك، وكيف تعمل هذه الأعمال الدعوية، وأنت مهمل لما ينفعك، والناس خلاف ذلك. أو ممن يسب الدعوة والدعاة بحجة النصح لهم وهو قاعد، همه النقد والتجريح وغير ذلك.

 

•       اقتراف سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. ومنها: أمراض القلوب: كالحسد والبغض والحقد، والعجب،  والغرور والكبر، والرياء، وحب الأنا، والشهرة وغيرها. فهذه وأمثالها إذا دخلت على القلوب أهلكتها وجرّت إليها غيرها حتى تحبط الأعمال والعياذ باﷲ. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد :16]. فعلى الداعي أن يسعى لما يقي قلبه من تلك الأمراض وأن يعالج ما وقع فيها.

 

هذه بعض المعوقات تتعلق بالداعي، كما أن هناك معوقات خارجية تأتي من الطرف الآخر، ومنها ما يلي:

•       إلصاق التهم بالدعاة: فقد يفترى بعض الكفار والمنافقين والحسدة أو الأعداء وغيرهم على العاملين في مجال الدعوة لتنفير الناس منهم، وزعزعة كيانهم، وإحداث البلبلة في صفهم، كما افترى كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفوه بأنه كاهن، وشاعر، وساحر، الذي يفرِّق بين المرء وزوجه، وبين الأب وابنه، وبين القريب وقريبه، كما توضح لنا قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه هذه المعوقات، يقول ابن هشام: «وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمعن منه شيئًا، قال: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيَّ حين غدوت إلى المسجد كرسفًا فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاماً حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته، قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسفٍ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسنًا، فأعرض عليَّ أمرك، قال: فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاًَ قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، قال: فأسلمت، وشهدت شهادة الحق(3)

ومن هنا على الداعي ألا يتأثر بما يلصق فيه من التهم والسخرية، فله سلف وأيما سلف: رسول الله ﷺ وصحابته الكرام ي أجمعين.

ولا يعني هذا ألا يدرس النقد الذي يسمعه، بل عليه دراسته؛ فإن وجد فيه فائدة استفاد منه، وإلا تركه ولا يأبه به، فهو شاهد له بحسن سيرته وسلوكه، فهذا سنن المرسلين والعلماء والدعاة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد (2/303).

(2) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، برقم: (5534).

(3) السيرة النبوية لابن هشام, 1/390-391.