بحث عن بحث

 

 

آداب الدعاء (3)

                                                    

 

ومن آداب الدعاء أيضاً :  

14. استحباب إخفاء الدعاء : قال تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) سورة الأعراف آية : 55.

أمر الله سبحانه ، عباده أن يجتهدوا في دعائه مع إسرارهم وإخفائه وعدم رفع الصوت به . وفي إخفاء الدعاء أدب وإخلاص بالغان ، يقربان من إجابة دعاء الداعي .

ويجوز الرفع إذا احتيج إليه لوجود من يؤمن على هذا الدعاء ولكن لا ينبغي أن يكون رفعاً زائداً , سواءً كان ذلك من جهة الداعي, أو من جهة المؤمن على هذا الدعاء؛ لأن المؤمن داعٍ, وأما رفع الأصوات رفعاً زائداً، والضجيج في المساجد, ورفع المأمومين الصوت بالتأمين رفعاً زائداً فهذا أمرٌ يتنافى مع الأدب مع الله عز وجل ، ويتنافى مع قوله تعالى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) سورة الأعراف آية :55 ، ولما رفع الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم بالتكبير والتسبيح رفعاً زائداً في كل مكان يرتفعون عليه أو ينخفضون ؛ قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا أبكماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً )(1) متفق عليه , ثم قال الله عز وجل : (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة الأعراف آية :55 ، و(إنَّ) هنا مشعرة بالتعليل، وهي تدل على التوكيد, وهذا يدل على أن رفع الأصوات من غير حاجة من الاعتداء في الدعاء .

قال ابن تيمية(2): ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، أي ما كانت إلا همساً بينهم وبين ربهم عز وجل يقول : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) سورة الأعراف آية : 55 . وأنه ذكر عبداً صالحاً ورضي بفعله ، فقال : (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً) سورة مريم آية : 3.

فائدة : في إخفاء الدعاء فوائد عديدة : ذكر شيخ الإسلام جملة منها نذكر ملخصها :

أحدهما : أنه أعظم إيماناً ، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي .

وثانيها : أنه أعظم في الأدب والتعظيم ، لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم ، ومن رفع صوته لديهم مقتوه ، ولله المثل الأعلى ، فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به .

وثالثها : أنه أبلغ في التضرع والخشوع .

ورابعها : أنه أبلغ في الإخلاص .

وخامسها : أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء ، فإن رفع الصوت يفرقه .

وسادسها : – وهو من النكت البديعة جداً – أنه دال على قرب صاحبه للقريب ، لا مسألة نداء البعيد للبعيد ، ولهذا أثني الله على عبده زكريا بقوله عز وجل : (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً) سورة مريم آية :3 .

وسابعها : أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال ، فإن اللسان لا يمل ، والجوارح لا تتعب ، بخلاف ما إذا رفع صوته ، فإنه قد يمل اللسان ، وتضعف قواه .

وثامنها : أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات .

وتاسعها : أن أعظم النعم الإقبال والتعبد ، ولكل نعمة حاسد على قدرها دعت أو جلت ، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة .

وعاشرها : أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى ، متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه ، فهو ذكر وزيادة . اه(3).

15. الاعتراف بالذنب والاستغفار منه والاعتراف بالنعمة وشكر الله عليها .

وهذا من أنواع التوسل المشروعة في الدعاء ، ويدل عليه ما رواه البخاري عن شداد بن أوس ‏‏رضي الله عنه ‏عن النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم قال : ( سيد ‏‏الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي ؛ فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، من قالها في النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة )(4).. ‏قوله: ( أبوء ) ‏‏أي أعترف.

‏‏قال الطيبي : لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد , وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج , ويرجع إليه في الأمور .


(1) صحيح البخاري (6021) ، وصحيح مسلم (2704) .

(2) الفتاوى (15/15) .

(3) الفتاوى ( 15/15-18) .

(4) رواه البخاري (6306) .