بحث عن بحث

الركن السادس: الإيمان بالقدر:

ويكون بالتصديق الجازم بأن الله سبحانه علم مقادير الأشياء وأحوالها قبل وجودها ، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ثم شاءها سبحانه وأوجدها بقدرته وحكمته ، وعلى هذا يشمل الإيمان بالقدر أربع مراتب:

المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله عالم بكل شيء جملة وتفصيلاً ، وأن علمه سبق خلق الخلق كلهم وعلمهم .

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب ما قدره في اللوح المحفوظ ، ودليل هاتين المرتبتين قولـه تعالى: ]أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)  .

المرتبة الثالثة: الإيمان أن جميع الأمور والمخلوقات لا تكون إلا بقدرته ومشيئته سبحانه وتعالى، سواء أكان ذلك مما يتعلق بفعله أو فعل العباد ودليل هذه المرتبة قوله سبحانه: ]وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)   وقولـه : ]وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) .

المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله هو خالق كل شيء وموجده، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، ودليل هذه المرتبة قولـه تبارك وتعالى: ]اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) .

ومما يشار إليه في الإيمان بالقدر أنه - أي الإيمان بالقدر - لا يعارض أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وأن لـه قدرة عليها، ودليل ذلك قولـه تعالى: ]فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً)  ، وقال سبحانه أيضاً ]لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)  .

فالإيمان بالقدر لا يمنع الإنسان من العمل، ولا يصح الاتكال عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)  ، ثم إن المشاهد أن لكل إنسان قدرةً ومشيئة في بعض الأفعال فله القدرة على أكل الطعام، وكذلك لـه القدرة على الصلاة والصوم، ولكن بعض الأشياء ليس لـه قدرة عليها كحركة القلب والمعدة، فما كان لـه من القدرة عليه فهو مؤاخذ به ، ولكن هذه القدرة والمشيئة واقعة بعد مشيئة الله وإرادته .

هذه أركان الإيمان ذكرتها موجزة مع بيان بعض المهمات، التي تبنى عليها أهل السنة والجماعة أصولهم عليها، ومما يذكر في هذه الأصول:

أن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح كما سبق في التعريف ودليل ذلك قولـه تعالى : ]وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )  . أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، فسمى الصلاة كلها إيماناً وهي تجمع عمل القلب واللسان والجوارح .

ولذا لا يكتفى بمجرد التصديق القلبي، أو العمل دون نطق مع القدرة عليه - ودون تصديق في القلب كما قالت بذلك بعض الطوائف الضالة .

ومن الأصول أيضاً أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ كما قال تبارك وتعالى: ]وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً)  .

ومن أصولهم أيضاً أنهم لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، فمن ادعى الإسلام وعمل  إحدى الكبائر فهو مسلم عاصٍ لله ناقص الإيمان، مالم يثبت بفعل أحد المكفرات ، ودليل ذلك قولـه سبحانه وتعالى فيمن قتل آخر عمداً فصار عليه القصاص : ]فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)   فقد سمى الله سبحانه القاتل أخاً للمقتول مع أنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب .

ولكن هذا الذنب يستحق العقاب، وعقابه أو العفو عنه راجع إلى مشيئة الله تعالى إن شاء غفر لـه برحمته ، وإن شاء عذبه على قدر معصيته ثم يخرجه من النار .

ومن أصول أهل السنة والجماعة محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  وسلامة قلوبنا وألسنتنا لهم، ونشر فضائلهم، والكف عن مساويهم وما شجر بينهم، والترضي عنهم، قال سبحانه وتعالى: ]مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)  .

وقال صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه)  فعلم منه تحريم سب الصحابة رضوان الله، فهم خير القرون وهم مجتهدون فيما فعلوا وليس بمعصومين من الخطأ، فمن اجتهد وأخطأ منهم فله أجر اجتهاده، ومثل هذا القول يقال في زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأهل بيته فقد أثنى عليهم الحق تبارك وتعالى بقوله: ]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)