بحث عن بحث

القاعدة الرابعة والعشرون

اقنع بما أعطاك الله

قيل في المثل: القناعة كنز لا يفنى، وهي كنز في الحقيقة لصاحبه وإن كان له رصيد ضعيف من الماديات في الحياة، ولكنه بهذا الرصيد المعنوي يملك القابلية والثبات والاستمرار أكثر من الذي يملك الأموال الكثيرة والحشم والخدم ولكنه لا يملك القناعة، وهو الفيصل بين الطرفين.

القناعة تدفع نحو النجاح
 

والقناعة تدفع الإنسان للتحرك نحو الأمام بخطوات ثابتة وناجحة، لأن صاحبه لا ينظر إلى ما عند الآخرين، ولا يضيّع وقته في مراقبة أحوالهم وأخبارهم، فهو مشغول بطموحاته وآماله التي يعمل من أجلها، فإن تحقق له خير فبها وأنعم، وإن لم يتحقق له ذلك، وكّل أمره إلى الله، وأحسن الظن به، وسار في طريقه إلى أن يفتح الله عليه بما عنده من النعم والآلاء.

وبهذا التصور والشعور ينال هذا الإنسان السعادة الحقيقية في الحياة، لأنه ينتهج النهج الصحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».

والإنسان القانع بما منحه الله تعالى من إمكانات وآليات للتحرك في الحياة، له نظرة بعيدة تتجاوز حدود الدنيا الآيلة إلى الزوال، فهو يطمع فيما عند الله تعالى الذي لا تفنى خزائنه وأملاكه، يقول تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

ويقول جل شأنه: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى  .

فهو يرجو ما عند الله وحده، ولا يرجو ما عند الناس ولا يريد منهم جزاء ولا شكورا، وبهذه النفسية الصحيحة يمكن أن يؤدي رسالته في الحياة بشكل سليم، لأنه لديه رضى وقناعة بما عنده، فلا ينشغل بالآخرين وما عندهم، بل يعمل جاهدًا ليقدم أفضل الأفعال وأحسنها لنفسه ومجتمعه.

فهو كما الشاعر:

إذا أصبحتُ عندي قوتُ يومي
ولا تُخطرْ هموم غدٍ ببالي

  فخلِّ الهمَّ عنّي يا سعيدُ
فإنّ غدًا له رزْقٌ جديدُ

الإنسان غير القنوع لا يضر إلا نفسه
 

أما غير القانع بما عنده فهو لا يشكر الله تعالى على نعمه المغدقة عليه من كل الجهات، فإن هذا الإنسان يعيش عمره كله أسيرًا للهم والحزن والتفكير، يقول عليه الصلاة والسلام: «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه وجَمَع له شمله، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقْره بين عينيه وفرَّق عليه شمْله ولم يأْتِه من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له».

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

وصدق الشاعر حين قال:

العبْدُ حرٌّ إنْ قَنِعْ
فاقْنَعْ ولا تطْمَعْ فلا

  والحُرُّ عَبْدٌ إنْ طِمِعْ
شيءٌ يَشينُ سوى الطَمَعْ

¡  ¡  ¡

عوامل لتفعيل القناعة:

1 – إحياء الإيمان في النفس وبخاصة الإيمان بالقضاء والقدر بأن كل شيء مقدر من عند الله تعالى ولا يأتيك إلا ما قُدّر لك.

2 – تذكر قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو قادر سبحانه أن يعطيك أكثر، أو أقل.

3 – تذكر نعم الله سبحانه وتعالى عليك سواء من النعم الخَلْقية مثل الجوارح والحواس، أو القدرات والمواهب، أو النعم الأخرى كالمال والولد، ثم تفعيل ما منحك الله تعالى فستجد أنك أفضل من غيرك في كثير من الأشياء.

4 – إحياء المحبة والأخوة الإيمانية التي أمر بها الشرع، فهي ترخص لديك النظر إلى ما في أيدي الآخرين، فتقنع بما أعطاك الله تعالى.

5 – ما سبق بيانه من أن النظر إلى ما عند الآخرين في أمور الدنيا إلى من هو أقل منك لكي تقنع وترضى بما عندك، فدرِّب نفسك على ذلك.

6 – عوّد نفسك على شكر الله تعالى على ما أعطاك ليزيدك سبحانه، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  ﴾ .

7 – الدعاء والإلحاح فيه بأن يرزقك الله تعالى القناعة، حتى تجنّب نفسك كثيرًا من المخاطر.

¡  ¡  ¡

وبالتالي فإن للقناعة دورًا كبيرًا في تحديد المنهجية الصحيحة في الحياة، لأنه يسهم في علاج مرض نفسي خطير وهو الجشع والطمع وعدم الرضا بقسمة الله تعالى الذي يقود إلى أمراض أخرى من القلق والاكتئاب والحسد وغيرها.