بحث عن بحث

القاعدة الثانية والعشرون

قوّم نفسك وأعمالك

تقويم النفس ومحاسبتها بين الفينة والأخرى من أولويات المنهجية الصحيحة في الحياة، وبناء السعادة الحقيقية لصاحبه، وهي تعني مراقبة الإنسان لذاته في أقواله وأفعاله وسلوكياته في الحياة مع ربه ومع أهله ومجتمعه، ومراجعة هذه الأقوال والأفعال بين الفترة والأخرى، وفصل الصحيح منها عن السقيم، والاستمرار على الصحيح ومعالجة السقيم والتوبة عنه.

يقول تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

يقول عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله».

وأعلى مراتب مراقبة النفس ومحاسبتها هي الإحسان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

مجالات التقويم :

ومجالات مراقبة النفس كثيرة جدًا، فكل مكان أو زمان يتحرك فيه الإنسان بحاجة إلى مراقبة ومحاسبة، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض المجالات المهمة وهي:

- محاسبة الإنسان نفسه نحو ربه وخالقه، هل يقوم بأداء الفرائض على الوجه الذي يرضاه الله تعالى كأداء الصلوات الخمس في مواقيتها وإقامتها مع جماعة المسلمين في المساجد، وكذلك هل يقدم بين يدي الله تعالى بعض الأعمال الصالحة التي ترجع بالنفع على إخوانه المسلمين؟ وهل يقوم بأداء النوافل والسنن كقيام الليل والصدقات؟ هل يعايش أحوال المسلمين ومعاناتهم في أرجاء المعمورة ويحاول تقديم المساعدة إليهم وتفريج كروبهم؟

- محاسبة الإنسان نفسه نحو طموحاته، وأهدافه في الحياة، هل يسير في الطريق الصحيح، وهل وضع برنامجًا مدروسًا للوصول إلى تحقيق تلك الأهداف، وهل تلك الأهداف سامية ولها دلالات ومعان رفيعة في الحياة، ترضي الله تعالى وتساهم لإيجاد السعادة للناس؟

- محاسبة الإنسان نفسه نحو أهل بيته، من زوجته وأبنائه وبناته، هل يقوم بدور الزوج الصالح الذي ويؤمن لزوجته حقوقها، وينصحها ويرشدها، ويحثها على طاعة الله تعالى ولا يظلمها؟ وهل يحسن تربية أبنائه وبناته وفق المنهج الإسلامي، في التعامل معهم والإرشاد والتوجيه، وتخصيص أوقات لهم لمعرفة آمالهم وآلامهم، وثم مساعدتهم على المضي في الحياة بشكل صحيح؟

- محاسبة نفسه نحو مجتمعه والناس من حوله، هل يقوم بأداء عمله الوظيفي بالشكل المطلوب، من حيث الالتزام بمواعيد الدوام، وإنجاز الأعمال الموكلة إليه، وتسهيل معاملات الناس والحرص على نفعهم وخدمتهم، وكذلك هل يقوم بأداء واجباته نحو جيرانه في السؤال عنهم وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وكذلك مواصلة الأقرباء والأرحام والإحسان إليهم؟

نتيجة التقويم
 

هذه بعض الوجوه التي يمكن أن يحاسب الإنسان نفسه فيها، ويراجع بين فترة وأخرى هذه المجالات، وليكن ساعة في اليوم الواحد، أو ساعات محددة خلال الأسبوع الواحد، يخلو فيها مع نفسه ويبدأ بإعادة شريط أعماله وأقواله في الأيام أو الأسابيع الماضية، لتصحيح أخطائه وزلاته فيها:

-   فإذا كانت هذه الأخطاء نحو الله تعالى لجأ إليه ووقف بين يديه ليقدم توبته واستغفاره عن تقصيره وإسرافه في عباداته، أو عن اقترافه لبعض المعاصي والذنوب، ويقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

-   وإذا كان التقصير والخطأ نحو في طموحه وتحقيق هدفه، يحاول أن يجدد همته ويقوي عزيمته ويتحرك بشكل أفضل نحو هذا الهدف، وليضع لنفسه أهدافًا رفيعة ومشروعة تكون نافعة له ولمجتمعه، لينال النجاح في الدنيا والثواب في الآخرة.

-   وإذا كان إهماله وتقصيره نحو أهل بيته وأولاده، فلا يتوانى أن يعود إلى رشده ويتذكر قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «كلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

-       أما إذا كان التقصير في وظيفته في إهماله للعمل الموكل إليه أو تأخير معاملات الناس وتعقيدها، أو كان مع جيرانه بإيذاء أو نحوه، فجدير به أن يتوب إلى الله تعالى، ويخلص العمل له جل وعلا ولا يعود لهذا الإهمال والتقصير في ميدان عمله ووظيفته، لأنها أمانة ورسالة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» وكذلك لا يؤذي جيرانه، بل يحسن إليهم ويسأل عنهم، لأنه عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جارُه بوائقه».

¡  ¡  ¡

وهكذا فإن تقويم النفس ومراقبتها ومحاسبتها بين الحين والآخر، يسهم بشكل فاعل في إعداد المنهج الصحيح في الحياة وتقويمها، والرقي بها نحو الأفضل والأمثل، وتحقيق السعادة لصاحبها.