بحث عن بحث

القاعدة الخامسة عشرة

لا تبك على ما فات، واعمل لحاضرك، وخطط لمستقبلك

من القواعد المنهجية الذهبية ما ذكره أعلاه، ولا شك أن لكل إنسان ماض من الأقوال والأفعال، ولا شك أنه اكتنف هذا الماضي أفراح ومسرات، أو امتلأت صفحاته بالمآسي والمعاناة، وفي كل الأحوال، فإن هذا الماضي يشدّ هذا الإنسان إليه في كثير من الأحيان، فيتأثر وينفعل، ويتذكر شريط حياته الحافلة بالأحداث المختلفة، فيأخذ منها موقفًا معينًا، وهذا الموقف هو الذي يحدد مسار هذا الإنسان في الحياة، سلبًا أو إيجابًا.

ويمكن بيان هذا الموقف في المعالم الآتية:

الرؤية الصحيحة عن الماضي
 

1 - الرؤية الصحيحة عن الماضي لا تكون في الحسرة عليه والعض على اليدين لما فات من المنافع أو المكاسب، بل إن الماضي كتاب مليء بالأحداث والأخبار ينبغي للعاقل أن يقرأه بوعي ودراية، ويأخذ منه الدروس والعبر لقطع الأشواط المتبقية من الحياة بأداء أفضل من سابقه، فيصحح ما كان فيه من خطأ، ويقوي ويزيد ما كان فيه من حق وصواب.

فلا يتحسر الإنسان على أي ماض كان، مادام في الدنيا يتحرك ويسعى في كل مكان، لأن أمامه فرصة التصحيح والإنابة إلى الله تعالى والتوبة عن أخطاء الماضي وأوزاره، ولأن بين يديه هذا الدين الذي فيه النجاح والفلاح، يقول الإمام الشافعي ::

لا تأْسَ في الدنيا على فائتٍ
إن فات أمرٌ كنتَ تسعى له

  وعندك الإسلامُ والعافيه
ففيهما من فائتٍ كافيه

اللجوء إلى الله عند حصول المصائب
 

2 – أن الإنسان في كل مراحل حياته معرض لابتلاءات ومصائب، أو ربما لنعم ومنافع، فلا يتحسر على ما قُدّر عليه من المعاناة والمآسي، ولا يرسل آهات الندم على ذلك الماضي، وكذلك لا تغرية الدنيا إلى جاءته مكللة ببعض متاعها وزخرفها، فإنها أيضًا ابتلاء واختبار، يقول تبارك وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  ﴾.

تعرض الإنسان للابتلاء
 

3 – الحرص على المنافع والمصالح ضرورة حياتية وفطرة إنسانية، يشترك فيها جميع الناس، ولكن إذا تعرضت هذه المصالح للخطر والتلف، فالواجب هو اللجوء إلى الله تعالى بخير من ذلك إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، وكذلك كثرة الإرجاع لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ     ﴾ .

والبشارة الكبرى تأتي بعد هذا اليقين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  ﴾ .

 لأن الحسرة الدائمة على الماضي وأن المصيبة لم تكن لتقع لو لم يفعل كذا وكذا، فإنها من المداخل التي يلج فيها الشيطان إلى النفس ويبث فيها من نزغاته وهمزاته ما يشاء، يقول عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان».

أين الحسرة الحقيقية؟
 

4-الحسرة الحقيقية تكون لأولئك الناس الذين فرّطوا بأعمارهم وأموالهم وأوقاتهم في الحياة الدنيا، ولم يأخذوا من ماضيهم العبرة ولم تحدثهم أنفسهم يومًا من الأيام بالتوبة والإبانة إلى الله، إلى أن جاءهم الأجل والموت، فتوقفت أعمالهم وبدأ حسابهم، هؤلاء هم الذين يتذوقون مرارة الحسرة الحقيقية حين يقفون بين يدي خالقهم ومليكهم، فيتحسرون أيما تحسر، ويندمون أيما ندم، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا صالحًا من القول أو العمل، ولكن حق عليهم وعد الله أن لا رجعة إليها، فيصف الله تعالى حال هؤلاء الناس بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .

بل إن الله تعالى وصف هذا اليوم الذي يقومون فيه من الأجداث إلى الله تعالى ويقفون فيه بين يديه بيوم الحسرة: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .

مثال من التاريخ:

مقارنة بين شخصية الخنساء في الجاهلية وشخصيتها في الإسلام، ونظرتها إلى الماضي وذكرياته في هاتين المرحلتين:

ففي المرحلة الأولى، تتحسر على الماضي وتبكي على مصابها كل يوم وكل لحظة، وهو موت أخيها صخر، حتى تصل بها الحال أن تقتل نفسها، لولا كثرة من يعزونها تقول:

يذكرني طلوع الشمس صخرا
ولولا كثرة الباكين حولي

  وأذكره بكل غروب شمس
على إخوانهم لقتلت نفسي

أما في المرحلة الثانية، بعد أن أسلمت وذاقت حلاوة الإيمان ابتلاها الله تعالى باستشهاد أبنائها الأربعة، فصبرت خنساء وترفعت بنفسها أن تفكر في الماضي أو تتحسر أو تتضجر من أمر الله تعالى الذي أخذ أبناءها الأربعة في يوم واحد، بل إن هذا الإيمان جعلها تعيش حياة السعادة والأمل الكبير في اللقاء بفلدات كبدها في جنة الله تعالى ونعيمها، فكانت تقول: «حمدًا لله أن شرّفني بقتلهم جميعًا، وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته».

وهي النظرة الصحيحة لكل إنسان يريد أن ينتهج في الحياة منهجًا صحيحًا، ويسعى لإسعاد نفسه وإسعاد الآخرين من غير همّ ولا حزن.

¡  ¡  ¡

فلا تتحسر على الماضي، واعمل لحاضرك ومستقبلك وصحح ما وقعت فيه من أخطاء في الماضي، تبدل سيئاتك حسنات.