بحث عن بحث

القاعدة الرابعة عشرة

تعلَّق بالله ودَعْ التعلق بغيره

التعلق بالآخرين يقتل روح العزيمة
 

من الخطأ الجسيم أن يرهق الإنسان نفسه ويضيّع وقته ويعطّل تفكيره في التعلق بما في أيدي الناس من مال أو جاه أو وظيفة أو أية نعمة أخرى، ويترك التعلق واللجوء إلى خالق الأموال والأنفس والكون والكائنات، الذي عنده خزائن السموات والأرض، لتحقيق مصلحة أو منفعة، أو قضاء حاجة وإزاحة همّ، بل إن هذا التصور يدل على الرؤية القاصرة لدى صاحبه، كيف يستغني عن الخالق العظيم ليجد ضالته عند مخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة، إنه ضرب من التخبط واللغط في التفكير، وهو ما عبّر عنه الله تعالى على لسان موسى عليه السلام لبني إسرائيل: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾.

إن هذا التصور والتعامل في الحياة يقتل روح العزيمة عند صاحبه للتحرك نحو الأمام وأداء رسالته بشكل صحيح، ويجعله أسير الوهم والمراقبة الدائمة إلى ما متّع الله تعالى به بعضًا من عباده، وقد نهى الله تعالى عن ذلك صراحة بقوله: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى .

وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن ما عند الله تعالى خير وأفضل مما عند الناس، لأن ما عند الناس آيب إلى الزوال لا محال، أما ما عند الله تعالى فهو الخير الدائم الذي يزيد ولا ينقص، يقول تبارك وتعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

علاج التعلق بالآخرين
 

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى هذه الآفة النفسية الخطيرة، التي تشيع الفرقة والحقد في المجتمع، وتعرضه للفساد والخوف والجريمة، فوضع الدواء الشافي والعلاج الناجع لهذه المعضلة حين وصّى أمته بقوله: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

وبتطبيق هذا التوجيه النبوي، يمكن للإنسان أن يعيش سعيدًا في كل أحواله، ومنتجًا ناجحًا في حركته وعمله، فإنه ينظر إلى من هو دونه في الرزق والصحة والجاه والعلم وغيره، ليعرف نعمة الله عليه ويشكره عليها، كما أن ذلك يُذهب عنه الهمّ والحزن والحسد على ما متّع الله به بعض الناس عليه في هذه النعم، وبذلك يستطيع أن يستمر في مسيرة الحياة بمنهجية صحيحة وناجحة، ويحقق لنفسه وأمته السعادة الحقيقية.

أما البعيد عن هذا المنهج الرباني وهذا الهدي النبوي فإن الحسد يحرقه من كل جانب، والحسرة تأكل من وقته وقدراته، فيبقى وحده الضحية التي لا أحد يلتفت إليها في خضم حركة الناس وانشغالهم بأهدافهم ومصالحهم.

وبعد هذا التقعيد النظري إليك هذا المثال:

من أعطاه الله تعالى ملك بيت فإذا نظر إلى من عنده بيتًا أكبر منه وأوسع تصاغر هذا المسكن في عينيه وصار يفكر ويشغل نفسه بهذا التفكير، أما إذا نظر إلى من لا يملك وإنما كان مستأجرًا تعاظم هذا العطاء وشكر نعمة الله عليه، ومن ثم سلم من القلق والاضطراب، وارتاح ضميره، وسعى للإنتاج والكسب.

قس على ذلك مسائل: الوظيفة، والصحة، والمال، والدراسة.

¡  ¡  ¡

فانعم بما أعطاك الله تعالى واستفد منه، ولا تنظر إلى الآخرين وما عندهم، واسأل الله تعالى وحده، فالذي أعطاهم يعطيك، والذي شفاهم يشفيك، والذي يمنحك، هو القادر وحده، وهذه النظرة تريحك وتعيش بها هنيئًا سعيدًا مستفيدًا من وقتك ومالك وصحتك وأسرتك. متعك الله بذلك.